من القضايا المهمّة في مسألة اللغة ارتباطها الوثيق بالفكر والتفكير؛ هذا المدخل القويم هو الذي يجعلنا نفكّر في سؤال اللغة، ليس فقط في بنياتها ولكن التوقف مليا عند مكنون اللغة من جانب والمآلات التي تترتّب على منهج النظر في المسألة اللغوية برمتها؛ وما نرى من نموذجٍ لذلك إلا موضوع الترجمة والترجمان؛ الذي يحيلنا، وبشكل عميق، إلى جوهر هذا الإشكال؛ ومدار الترجمة بين مقولتين تفسيريتين ترتبط ليس فقط بفنيّة مسألة اللغة، ولكنها تتعلق، في حقيقة الأمر، بالمسألة الأصلية حول تلك العلاقة التي أشرنا إليها من العلاقة التأسيسية بين اللغة والفكر؛ نستطيع أن نقول، باطمئنان، إن اللغة هي الفكر والتفكير الصامت؛ وإن الفكر هو اللغة الناطقة؛ إذ يُعد التفكير بأبعاده وآفاقه الحضارية ميزة أساسية ينفرد بها الإنسان عن سائر الكائنات، فإنّه يحتاج إلى وسيلة للاتصال والتواصل مع الآخرين، وللتعبير عن أفكاره، وذلك من خلال اللغة … وتظهر اللغة أنها حجر الأساس في كل عملية تواصلية، ذلك أن التواصل قوامه اللغة، والنوع الإنساني منغمسٌ باللغة، ويكاد لا يمرّ أي وقت من دون استعمالها (القراءة، الكتابة والتكلّم … ). في هذا السياق، يطرح هذا الموضوع مسألة العلاقة بين اللغة والفكر من جانب الاتجاه الثنائي القائل بأسبقية الفكر على اللغة، أي أن اللغة مجرّد وسيلة تعبير يصنعها الفكر، لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الاتجاه لاقى اعتراضاتٍ من القائلين بالاتجاه الواحدي الذي يطابق بين اللغة والفكر، أو حتى يرى اللغة سابقة على الفكر. وفي المحصلة، نتحفّظ بالقول بوجود فكر مستقل عن اللغة، أي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة، كما يقول أصحاب الاتجاه الثنائي، كما نتحفّظ على المطابقة بينهما، وهو ما ذهب إليه الاتجاه الواحدي. لذلك، العلاقة بين اللغة والفكر تبادلية، أو علاقة تأثير وتأثر، فاللغة تزوّد الفكر بالتعابير الاصطلاحية، والفكر يساعد اللغة على التجديد، فلا فكر بدون لغة ولا لغة بدون فكر. وفي هذا يقول دولاكروا: "الفكر يصنع اللغة، وهي تصنعه في الوقت ذاته". الأمر الذي يشير إلى علاقة التداخل والتكامل بينهما، فالنسق اللغوي، بطبيعته، منفتح متسع؛ والنظر إلى اللغة ضمن مكوّناتها الثقافية والحضارية هو ما يدفعنا الى تناول فعل الترجمة من هذا الباب. الترجمة فعل ثقافي معرفي حضاري؛ محكوم بأصول التعارف الإنساني البنّاء (لتعارفوا) في نداء معرفي حركي قرآني فاعل؛ الذي يساهم في تشييد عمران الحضارة بكل أبعادها الإنسانية والقيمية والأخلاقية؛ الترجمة بهذا الاعتبار قيمة مضافة للفعل الحضاري والتواصل بين الحضارات والثقافات والمعارف على تعدّدها وتنوّعها الذي يثري حركة العمران ومسالك بناء الأمم قدرة وفاعلية؛ الترجمة أيضا حلقة في عمليات التكامل المعرفي بمعانيه الواسعة والمنفتحة أفقاً ومحصّلة؛ ولكن هذا التكامل في تفاعله من المهم أن يكون ضمن أصول التعارف والمعرفة والاعتراف والتعرّف إلى منظومات الهوية وتفاعلها؛ في ظل تلك المقدّمات جميعا؛ يكون منهج النظر الداعي والواعي لإشكال الترجمة والتحدّي الذي تمثله استشرافا للاستجابة الفاعلة والواعية في هذا الحقل المعرفي الواسع والمنفتح؛ والذي يساهم بحق في إدارة الاختلاف والتعدّد والمشترك والتنوع؛ وفق رباعية تبنيناها؛ أن الاختلاف سنةٌ كونيةٌ وبشريةٌ لا مراء فيها، وأن التعدّد حقيقة أساسية في عالم المخلوقين لا يُنكرها أحد، وأن التعايش والتعارف ضرورة حياتية بمقتضى التعارف الحضاري، وأن الحوار أهم آلية في الثقافات والحضارات. عود على بدء، نذكّر بالمقولتين التحليليتين والتفسيريتين في هذا الحقل المتعلق بالترجمة؛ أولاهما المقولة التي شاعت في الاستخدام "المترجم خائن"؛ في مقال فائق القيمة لآرثر دانتو نشر في سبتمبر/ أيلول 1997، وهو ناقد فني وفيلسوف أميركي وأستاذ في جامعة كولومبيا، وجاء فيه "تتسم عبارة "المترجم خائن" Traduttore traditore بالتأكيد الذاتي؛ وإننا لنخونها بترجمتها. ما من أحد تمثل الإنكليزية لغته الأولى سينجذب إلى المساواة بين الترجمة والخيانة. فهل الربط بينهما في الإيطالية يمثل مصادفة للغة أو للتاريخ الثقافي في إيطاليا، لدى أندرو مارفل بيت شعري يؤكد هذا الزعم عن الإنكليزية: "لص الترجمة" كما يصدر مارفل تحذيراً محدداً بشأن المترجم الذي يخون المؤلف بإضافة كلماته أو كلماتها، ما يعني إضافة أفكاره أو أفكارها إلى نصٍّ مكتوب بلغة يجهلها قراؤه، ما يجعلها تبدو وكأنها أفكار المؤلف. لكننا لن نطلق على أمثال هذه الأفكار "ترجمات"، إنما خداع المترجم هو الذي سيجعلها تبدو كذلك. في بيت مارفل الشعري، يُقال هذا رفضاً للترجمة، هكذا يمكن أن تُصاغ رؤيته، بطريقة ما، كالتالي: "سوء الترجمة خيانة" في حال لم تكن المسألة مجرّد مسألة ارتكاب خطأ بسيط في اللغة، وإنما زرع خطأ لجعل النص يعني شيئاً مختلفاً عما يقصده الكاتب. تقدم أبياته شرطاً (من ضمن شروط عديدة) لقواعد سلوك المترجمين. ولكن ما من تلميح، كما في الحروف الصائتة الإيطالية المجرّدة (الحروف المجهورة الصوتية المفتوحة)، إلى أن الترجمة في ذاتها تمثل انتهاكاً لإحدى القواعد الأخلاقية". ومن ثم الخيانة ليست صفة لفعل الترجمة كفضاء معرفي وثقافي نستبعد ذلك تماماً؛ بل هي صفة للمترجم ونهجه. وهذا شأن آخر يتعلق بأخلاقيات المترجم وغفلته عن مهاراتها وتقنياتها؛ وحينما يقصّر في فهم اللغتين ومنطقهما وعقلهما الظاهر والكامن. المقولة الثانية هي للأديب القدير مصطفى صادق الرافعي في أحد أهم مقالاته في "وحي القلم" حول "ثبات الأخلاق"؛ التي لخصها في نحت عميق مقدّر "الشعب المُترجَم" "إننا ابتُلينا في نهضتنا هذه بقوم من المترجمين قد احترفوا النقل من لغات أوروبا، ولا عقل إلا عقل ما ينقلونه، فصنعتهم الترجمة من حيث يدرون أو لا يدرون صنعةَ تقليد محض ومتابعة مستعبَدة، وأصبح عقلهم – بحكم العادة والطبيعة – إذا فكَّر انجذب إلى ذلك الأصل لا يخرج عليه ولا يتحول عنه. وإذا صحَّ أن أعمالنا هي التي تعملنا – كما يقول بعض الحكماء – فهم بذلك خطرٌ أيُّ خطر على الشعب وقوميته وذاتيته وخصائصه، ويوشك إذا هو أطاعهم إلى كل ما يدعون إليه أن... أن يترجموه إلى شعب آخر. إن أوروبا ومدنيتها لا تساوي عندنا شيئاً إلا بمقدار ما تُحقِّق فينا من اتساع الذاتية بعلومها وفنونها، فإنما الذاتية وحدها هي أساس قوتنا في النزاع العالمي بكل مظاهره أيها كان؛ ولها وحدها، وباعتبارٍ منها دون سواها، نأخذ ما نأخذه من مدنية أوروبا ونهمل ما نهمل؛ ولا يجوز أن نترك الثبت في هذا ولا أن نتسامح في دقة المحاسبة عليه…". ضمن هذه الرؤى الحضارية يمكن النظر بميزان عادل إلى مسألة اللغة والترجمة؛ فلا يسرف بعضهم بتصوّرها أداة غزو ثقافي وحضاري؛ ولا يمتطيها آخرون لتغريب الشعوب باسم تحديثها؛ فيجعل مشروع حضارة أخرى مشروعا لنا في مسألة النهوض يتحكم بنا؛ وفي تصوراتنا وتصرفاتنا. العربي الجديد