اصدار للصكوك السيادية:اكتتاب 296.6 مليار دينار لتمويل مشاريع عمومية كبرى    مواد مدرسية تدخل غزة لأول مرة منذ عامين ..3 شهداء وجرحى في قصف مدفعي وجوي شرقي غزة    المغرب: شلل تام في العديد من القطاعات وإضرابات مرتقبة بداية من اليوم    سوريا : روسيا تسحب قوات ومعدات من مطار القامشلي    قسنطينة.. فتح 6 أسواق جوارية خلال رمضان    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    الجزائر تحدد شروط استفادة موظفي التربية الوطنية من التقاعد المبكر    لتعزيز حضور اللّغة العربيّة في الفضاء الإعلاميّ الوطنيّ والدّوليّ..تنصيب لجنة مشروع المعجم الشّامل لمصطلحات الإعلام والاتّصال ثلاثيّ اللّغات    للروائي رفيق موهوب..رواية "اللوكو" في أمسية أدبية بقصر رياس البحر    البويرة: شباب الولاية يناقشون مشاركتهم السياسية ودورهم في التنمية المحلية    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الديوان الوطني للحج والعمرة يعلن انطلاق دفع تكلفة موسم الحج 1447-2026    رئيس الجمهورية التونسية يستقبل وزير الدولة أحمد عطاف    غاتيت يشيد بالتجربة التنموية الجزائرية ويصفها بالنموذج المحتذى به في إفريقيا والعالم    هكذا تستعد إيران للحرب مع أمريكا    الجزائر تعيش تنمية شاملة ومستدامة    حماية كاملة للمرأة والفتاة في الجزائر المنتصرة    الجزائر تدرك أهمية الاستثمار في المورد البشري    التطبيع خطر على الشعب المغربي    وكالة كناص ميلة تباشر حملة إعلامية وتحسيسية    وفاة 3 أشخاص وإصابة 125 آخرين    حج2026 : دعوة الحجاج لإنشاء حساباتهم    نشيد عاليا"بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي حظينا بهما في قطر"    عرقاب رفقة الوفد المرافق له في زيارة عمل إلى جمهورية النيجر    صدور مرسوم رئاسي بإنشاء المركز الوطني للتوحد    يمتن الشراكة القائمة بين المؤسسات الجامعية ومحيطها الاقتصادي    الدولة حريصة على مرافقة وحماية أبنائها بالخارج    الشباب في الصدارة    شتاء بارد جدا    غويري بين الكبار    سيفي غريّب يترأس اجتماعاً    وزير التربية يستشير النقابات    إشادة واسعة بقرار الرئيس    اجتماع لتقييم تموين السوق بالأدوية    سوق تضامني جديد بعلي منجلي    رئيس المفوضية الإفريقية يطالب بمقعد دائم لإفريقيا    نجم الريال السابق فان دير فارت يدافع على حاج موسى    "الخضر" سيقيمون في مدينة كنساس سيتي    صدمة جديدة لبن ناصر ترهن مشاركته المونديالية    تنصيب عبد الغني آيت سعيد رئيسا مديرا عاما جديدا    الاحتلال المغربي يتراجع تحت الضغط الحقوقي الدولي    فتوح يطالب بالضغط على الكيان الصهيوني للانسحاب من غزّة    آلاف المتظاهرين في شوارع باريس للمطالبة بتطبيق العدالة    مخطط عمل لثلاث سنوات لاستغلال الثّروة السمكية الكامنة    1950 مسكن عمومي إيجاري قيد الإنجاز بوهران    مواصلة توزيع المساعدات على المتضررين من الفيضانات    الإشعاع الثقافي يطلق مختبر "الفيلم القصير جدا"    وقفة عرفان لمن ساهم في حماية الذاكرة السينمائية الوطنية    ممثّلا الجزائر يُخيّبان..    تثمين الإرث الحضاري لمولود قاسم نايت بلقاسم    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    حين تصبح الصورة ذاكرةً لا يطالها النسيان    أهمية المقاربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب و الغلو والتطرف    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشرايين الجديدة للقوة
نشر في الحياة العربية يوم 14 - 01 - 2026

أصبحت الكابلات البحرية، التي تنقل معظم بيانات العالم، محور صراع جيوسياسي خفي يتسم بالتخريب والمراقبة والعرقلة التنظيمية، في وقت يعجز فيه الإطار القانوني الدولي عن حمايتها، مما يفرض إنشاء هندسة عالمية جديدة تربط الجهود الوطنية والإقليمية والدولية والقطاع الخاص لتحديث القوانين، وتعزيز الردع، وضمان أمن أعماق البحار.
في عام 1893، عقب عقود عدة تلت إرساء أول كابل بحري عابر للمحيط الأطلسي، نشر الشاعر والكاتب البريطاني روديارد كيبلينغ قصيدة عن عجائب "كابلات أعماق البحار". وفيما غدت الاتصالات آنذاك شبه فورية بين ضفتي الأطلسي، احتفى كيبلينغ بترابط لم يكن من الممكن تخيله سابقاً، قائلاً، " فلنغد واحداً".
بعد أكثر من قرن، حلت الكابلات الليفية الضوئية محل خطوط تليغراف، لكن وعدها التوحيدي تلاشى تقريباً. فقد أصبح قاع البحر ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، ولأعمال التخريب، ولعمليات المراقبة. وتنقل هذه الكابلات 99 في المئة من حركة البيانات الرقمية العابرة للمحيطات، بما في ذلك التدفقات المالية والاتصالات الحكومية والدبلوماسية والعسكرية. ومع تزايد الأخطار وتآكل الثقة، يتجه العالم نحو شبكات كابلات منقسمة إلى كتل تقودها الولايات المتحدة أو الصين أو دول غير منحازة، إذ باتت المسارات ومحطات الربط البرية تعكس عمليات الاصطفاف الجيوسياسية أكثر من المنطق التجاري.
تبدو هشاشة البنية التحتية البحرية الحيوية أكثر وضوحاً في أوروبا. فقد لفتت تفجيرات خط أنابيب الغاز "نورد ستريم" في بحر البلطيق في سبتمبر (أيلول) 2022 انتباه العالم إلى هذه الأخطار. وأظهرت الحوادث اللاحقة في البلطيق، بما في ذلك أضرار عزتها التحقيقات إلى سفينة مرتبطة بالصين، كيف يمكن لجهات من منطقة ما أن تهدد بنية تحتية في منطقة أخرى. كذلك أدت زيادة نشاط السفن والغواصات على طول طرق الأطلسي والبلطيق إلى تصاعد المخاوف في شأن المراقبة تحت البحر، مع قيام الخصوم برسم خرائط مسارات الكابلات الحيوية ومراقبتها.
وتواجه آسيا أخطاراً مماثلة، حتى لو حظيت باهتمام أقل. إذ تسجل تايوان ما بين سبعة وثمانية انقطاعات في الكابلات سنوياً، يرتبط معظمها بالصين، وذلك في إطار حملة الضغط الأوسع التي تمارسها بكين على الجزيرة. وفي مارس (آذار) الماضي، كشفت بكين عن قاطع كابلات أعماق البحار يقال إنه متوافق مع المركبات غير المأهولة وقادر على قطع الكابلات على أعماق تتجاوز 13 ألف قدم (أكثر من 4 آلاف متر)، أي ضعف العمق التشغيلي لأنظمة الاتصالات البحرية، لكن على رغم تزايد الحوادث وتنامي القدرة على التدخل، تجد الدول صعوبة في إسناد المسؤولية عن قطع الكابلات إلى جهات محددة ومحاسبة المسؤولين الفعليين.تتفاقم هذه الأخطار بسبب تحد بيروقراطي غالباً ما يتغافل عنه والمتمثل باستخدام الضغوط القانونية والتنظيمية لمنع أو تأخير أو تعقيد عمليات مسح الكابلات وتركيبها وصيانتها. ففي بحر الصين الجنوبي، ساعدت هذه الأساليب الصين على توسيع سيطرتها الفعلية على قاع البحر. وقد بدأت بعض الشركات بإعادة توجيه مسارات الكابلات بعيداً من المناطق المتنازع عليها بدلاً من مواجهة مطالبات الصين.
وعلى رغم تصاعد أهمية الكابلات البحرية، فإن التشريعات والمؤسسات التي تتحكم بها لم تسر مع ذلك الإيقاع. وقد أعدت الأحكام المتضمنة في "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار" (1982) لحقبة سابقة وهي تستند إلى اتفاقية عام 1884 لحماية كابلات تليغراف البحرية، التي وقعها ملوك عصر كيبلينغ [1865-1936]. إن تأمين الشرايين الحيوية البحرية للعالم يتطلب بنية عالمية شاملة تربط الجهود الوطنية والإقليمية بالجهود الدولية، وتعمل على تحديث الإطارين القانوني والمؤسسي.
وتقف الولايات المتحدة في موضع متفرد لقيادة تلك الجهود. وعلى رغم تحديها محاولات بكين السيطرة على مياه بحر الصين الجنوبي، وتنفيذها عمليات هدفت إلى ضمان حرية الملاحة فيها، فإن الولايات المتحدة تغاضت عن قيعان ذلك البحر. وإذا استمر ذلك الإهمال، فإن واشنطن تخاطر بفقدان السيطرة ليس فقط على شرايين الاتصالات والطاقة تحت المياه، بل أيضاً على ميزان القوى فوقها.
..اتفاقية قانون البحار تحت الخطر
تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مجموعة معينة من الحريات الأساسية. ويعطي لكل دولة سيادة تمتد 12 ميلاً بحرياً في مياه البحار الإقليمية الملامسة لسواحلها. لكن خارج هذا الحد، تتمتع جميع الدول بحرية مد الكابلات وصيانتها وإصلاحها، بما في ذلك داخل المناطق الاقتصادية الخالصة والرفوف القارية – وهي الامتداد المغمور بالمياه لإقليم الدولة البري. وتحمي الاتفاقية بصورة صريحة عمليات إرساء ونشر وصيانة الكابلات البحرية على الرفوف القارية، وتنص على أن الدول الساحلية "يفترض ألا تعوق" تلك النشاطات، مقابل حقها في اتخاذ "إجراءات منطقية" في ما يتصل بتطوير المصادر والسيطرة على التلوث. وعلى رغم أن الولايات المتحدة غير موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها تتعامل مع أحكامه باعتبارها تعبر عن القانون الدولي المتعارف عليه، وتشكل أيضاً التفسير المرجعي للقوانين المتصلة بالكابلات البحرية، إضافة إلى "ميثاق 1884" الأضيق نطاقاً من الميثاق الأممي، لكنه يبقى معاهدة رسمية تنطبق على الدول غير المنضوية تحت الميثاق الدولي.
وفي المقابل، لا يتوافق التنفيذ المحلي ل"اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، مع اشتراطاتها بالذات. ومثلاً، على رغم أن الصين صدقت على الاتفاقية، فإن "الأحكام القانونية [الصينية] لعام 1989 المتحكمة بتمديد كابلات والأنابيب أعماق البحار" تتعارض بصورة مباشرة مع الاتفاقية لأنها تفرض على الشركات الأجنبية الحصول على موافقة لعبور الجرف القاري الصيني، وكذلك الحال بالنسبة إلى أعمال الصيانة أو الإصلاح.
ويعاني الإطار القانوني المنظم للكابلات البحرية عيوباً هيكلية. فكثيراً ما تجد الدول صعوبة في محاسبة المتسببين في إلحاق أضرار متعمدة بالكابلات البحرية، نظراً إلى قيود الولاية القضائية في الاتفاقية، وضعف إنفاذ دولة العلم، وصعوبة إسناد الحوادث إلى جهات محددة. فإذا وقع حادثة خارج المياه الإقليمية لدولة ساحلية، فإن دولة العلم – أي الدولة التي سجلت فيها السفينة المشتبه فيها – هي وحدها التي تملك الولاية للتحقيق ومقاضاة المتسببين في الضرر. لكن كثيراً من السفن التجارية مسجلة في دول لا تملك الإرادة أو القدرة على اتخاذ إجراءات. وقد ظهر هذا بوضوح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما أسقطت محكمة فنلندية تهم التخريب ضد طاقم السفينة "إيغل أس" Eagle S، وهي ناقلة مرتبطة بروسيا يشتبه في أنها قطعت خمسة كابلات حيوية في بحر البلطيق، وذلك لأسباب تتعلق بالاختصاص، لأن الحادثة وقعت خارج المياه الإقليمية لفنلندا. ولم تباشر دولة العلم، جزر كوك، أي إجراءات.
وحتى عندما تتوفر الإرادة والقدرة على الملاحقة القانونية، يبقى نجاح الإدانة بعيد المنال. فعملية الإسناد – أي ربط الضرر بسفينة أو طاقم محدد – غالباً ما تكون صعبة، ومحاسبة الدولة الراعية أصعب، لأنها تتطلب إثبات أن الفعل نفذ بناءً على تعليمات الدولة أو تحت سيطرتها على السفينة أو الطاقم.
وتصلح تجربة تايوان لإبراز مدى صعوبة ذلك الإسناد. فعلى رغم تكثيف المراقبة استجابة لتكرار أضرار الكابلات، فلم تحقق تايوان أول إدانة ناجحة إلا الصيف الماضي، عندما حكم على قبطان صيني لسفينة ترفع علم توغو بالسجن ثلاثة أعوام بعد إدانته بتعمد إتلاف كابلات اتصالات بحرية على بعد خمسة أميال بحرية من ساحل تايوان.
وينقسم المتخصصون أيضاً حول ما إذا كان يمكن مقاضاة تخريب الكابلات باعتباره قرصنة أو إرهاباً أو حتى استخداماً للقوة أو هجوماً مسلحاً، وهي تصنيفات قد توفر أسساً بديلة للتحرك القانوني. وفي الوقت نفسه تدخل المركبات غير المأهولة طبقة إضافية من التعقيد، إذ ليس واضحاً، على سبيل المثال، ما إذا كانت تعد "سفناً" ومن ثم تفعل التزامات دولة العلم، كذلك فإن غياب الطاقم يزيد من صعوبة مسألة الإسناد المعقدة أصلاً.
وتحوي اتفاقية قانون البحار ثغرات يمكن للدول استغلالها بسهولة. فاختصاص الدولة الساحلية بحماية البيئة البحرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة يسمح لها بفرض تقييمات للأثر البيئي، مما قد يؤدي إلى تأخير لا نهائي لأعمال تمديد الكابلات. وعلى الجرف القاري، تملك الدول الحق في اتخاذ "إجراءات منطقية" لحماية مصادرها البحرية وهو ما قد يعرقل أو يؤخر أو يقيد عمليات مد الكابلات وصيانتها وإصلاحها. وبما أن الكابل الواحد غالباً ما يعبر مناطق بحرية متعددة وولايات قضائية مختلفة، تتعدد فرص العرقلة.
وتخفي الطبيعة الروتينية لهذه العرقلة البيروقراطية عواقبها البعيدة المدى. فقد أدت اعتراضات الصين وتعقيدات التصاريح إلى تأخير "كابل جنوب شرقي آسيا–اليابان 2" لأكثر من عام قبل إطلاقه في يوليو (تموز) الماضي، كذلك أدت هذه التحديات إلى ردع مشاريع أخرى. وتشير المناقشات الأخيرة في المنطقة حول الربط الكهربائي البحري – الذي يعد أساساً لأمن الطاقة – إلى أن الحكومات باتت تختار تجنب بحر الصين الجنوبي تماماً بدلاً من طلب إذن من الصين. وكانت الأنظمة المرتبطة بالولايات المتحدة، مثل "آبريكوت" Apricot و"إيكو" Echo، مصممة أصلاً لعبور بحر الصين الجنوبي، لكنها أعيد تصميمها لتجنبه، مما أضاف مسافة وكلفاً إضافية وسط مخاوف من تأخيرات التصاريح والأخطار الأمنية المرتبطة بالعمل ضمن مساحات بحرية متنازع عليها مع الصين.
أما السبل القانونية المتاحة بموجب اتفاقية قانون البحار فهي غالباً غير عملية. إذ يتعين على مالكي الكابلات من القطاع الخاص الاعتماد على حكوماتهم للتحرك. لكن نظام تسوية النزاعات بين الدول في الاتفاقية بطيء، ومحدود في الحالات التي تنطبق فيها الاستثناءات، ومحفوف بالتعقيدات السياسية. وحتى اليوم، لم تتقدم أي دولة بقضية بموجب الاتفاقية تتعلق حصراً بالتدخل في الكابلات البحرية.
وتفاقم الفجوات المؤسسية هذه المشكلات. فاللجنة الدولية لحماية الكابلات – وهي رابطة صناعية تمثل مالكي ومشغلي الكابلات البحرية حول العالم – تركز على التوصيات التقنية الخاصة بتركيب الكابلات وحمايتها وصيانتها. أما الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو وكالة أممية متخصصة في التقنيات الرقمية ومسؤولة عن وضع المعايير التقنية، فقد أنشأ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 هيئة استشارية لتعزيز مرونة الكابلات البحرية لمدة عامين. ولا تمتلك أي من المؤسستين تفويضاً للتحقيق في التخريب، أو إسناد المسؤولية، أو فرض العواقب، أو التوسط في النزاعات بين الدول أو بين الشركات والدول. إن معالجة هذه الفجوات القانونية والمؤسسية ليست مسألة شكلية أو إجراء بيروقراطياً، بل هي ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة وشركائها.
..نظام جديد للبنية التحتية البحرية
إن إنشاء هندسة عالمية شاملة تربط بين القانون الدولي والمؤسسات والعمليات بحيث يعزز كل منها الآخر، من شأنه أن يقوي النظام القائم على القواعد في أعماق البحار. وستكون الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من مثل هذا النظام: فاقتصادها وأمنها يعتمدان على شبكات بيانات واسعة، وحلفاؤها يعتمدون بصورة كبيرة على كابلات البيانات والكهرباء، فيما يستغل خصومها الثغرات القانونية. وعلى رغم أن بعض الاستراتيجيين يجادلون سراً بضرورة الإبقاء على الغموض القانوني حتى تتمكن الولايات المتحدة من الرد بالمثل، فإن هذا النهج سيؤدي إلى تطبيع الردود الانتقامية المتبادلة وتقويض النظام العالمي الذي يخدم المصالح الأميركية.
يتطلب تحقيق مثل هذه الهندسة قيادة مستدامة لتنسيق الجهود الوطنية والإقليمية والدولية وجهود القطاع الخاص. ونظراً إلى امتدادها العالمي، وشبكة تحالفاتها، وقدرتها على جمع الأطراف، فإن الولايات المتحدة في موقع مناسب للاضطلاع بدور تمكيني في بناء هيكل أمني أكثر تماسكاً لقاع البحار. داخلياً، يعني ذلك توفير توجيه استراتيجي لأمن الكابلات البحرية واستدامتها، والتعامل معها كبنية تحتية استراتيجية لا مجرد أصول تجارية، ومواءمة الأهداف الدفاعية والدبلوماسية والتجارية والتنظيمية، وتعزيز التنسيق بين الوكالات. أما خارجياً، فيشمل العمل مع الحلفاء والشركاء والقطاع الصناعي لربط التدابير الوطنية والأطر الإقليمية والمبادرات الدولية وعمليات القطاع الخاص في نظام أكثر تكاملاً، حتى مع بقاء الولايات المتحدة خارج اتفاقية قانون البحار. وسيعتمد ما إذا كانت واشنطن ستختار ممارسة هذا الدور القيادي في النهاية على الإرادة السياسية.
وعلى المستوى التشغيلي، تتطلب هذه الهندسة تنسيقاً أوثق للدوريات المشتركة في الممرات الحيوية للكابلات البحرية، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي ومضيق "لوزون" في الفيليبين. كذلك تتطلب توافقاً أكبر في شأن إجراءات إصلاح الكابلات، خصوصاً في ما يتعلق بتسريع تصاريح الإصلاح الطارئ، وتأمين وصول سفن الإصلاح، وتنسيق السلطات أثناء الحوادث.
وبما أن معظم الكابلات البحرية الدولية مملوكة ومشغلة من القطاع الخاص – غالباً من خلال اتحادات تضم شركات اتصالات ومزودي خدمات سحابية – فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية. وعلى رغم عدم وجود شراكة دائمة تركز على الأمن مخصصة للكابلات البحرية، فيمكن للحكومات تكييف نماذج تعزيز استدامة شبكات الاتصالات البرية وآليات الإبلاغ عن الحوادث السيبرانية لإنشاء أنظمة مشتركة لمعلومات التهديدات، والإبلاغ عن الحوادث، والاستجابة للطوارئ. حالياً، يجري تقصي الاختلالات عادة داخلياً من قبل المشغلين والإبلاغ عنها بشكل طوعي وغير منظم، من دون وجود معيار مشترك لما يعد نشاطاً مريباً، أو متى يجب إخطار السلطات، أو كيفية مشاركة المعلومات عبر الحدود. ومن شأن وضع قوانين أكثر وضوحاً عن تشارك المعلومات في شأن النشاطات المشبوهة والاختلالات في الشبكات أن يفضي إلى تعزيز الاكتشاف المبكر للتدخلات أو أعمال المراقبة التي قد تستهدف أنظمة الكابلات البحرية.
"..على أعصاب الأرض الرابطة"
إن إحراز تقدم على هذه الجبهات المتعددة سيضيق هامش التخريب والمراقبة والعرقلة التنظيمية. فتعزيز التنسيق التشغيلي، وآليات التحقيق وتحديد المسؤوليات وفرض العقوبات، من شأنه أن يجعل التخريب وأنشطة "المنطقة الرمادية" أكثر صعوبة في التنفيذ وأعسر على الإفلات من المحاسبة، بما يعزز الردع. كذلك فإن إنشاء نظام لتبادل المعلومات، وشبكة لتقاسم الاستخبارات، واعتماد منظومة موثوقة لاعتماد الكابلات، سيقلل من أخطار المراقبة. ومن شأن تحديد حدود حقوق الدول الساحلية وتعزيز النفوذ الجماعي أن يحد من العوائق التنظيمية ومن الميل إلى تجنب المناطق الخلافية. وسيسهم اعتماد مدونة سلوك فعالة في توضيح السلوكيات المتوقعة من الدول المسؤولة.
وفي المقابل، لا تمثل تقوية الأطر المؤسساتية والقانونية دواءً شافياً وافياً. وستستمر دول عدة في مراوغة القانون الدولي على غرار ما تفعله الصين وعدد من الدول الأخرى. غير أن الهدف من هذه التدابير القانونية والمؤسسية هو تعديل معادلة الكلفة والمنفعة عبر رفع الكلف السياسية والاقتصادية والسمعة السلبية المترتبة على الأفعال العدائية أو غير الملتزمة. إن بناء هيكل عالمي يربط الجهود الوطنية والإقليمية والدولية، ويحدث القوانين والمؤسسات، يعد أمراً حاسماً لضمان أمن تلك الخطوط الحيوية العابرة لقيعان المحيطات وضمان الوصول إلى أعماق البحار. وإذا لم يصار إلى إرساء ذلك التركيب، فلسوف يتدهور نظام أعماق البحار الذي تعتمد عليه جميع الدول. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الأخطار مرتفعة بشكل خاص. وثمة صراع حاسم في هذا القرن يجب خوضه وكسبه "على أعصاب الأرض الرابطة"، بحسب كلمات الشاعر والكاتب البريطاني روديارد كيبلينغ.
أندبندنت. عربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.