في ظل حملة للكف عن استعراض موائد رمضان شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، منذ الأيام الأولى من رمضان، إقبال روادها على نشر صور موائد إفطارهم، بعضهم من باب التباهي بغناها، وبعضهن من باب استعراض"شطارة اليدين"، ولا أحد منهم فكر فيما قد تسببه هذه الصور من غصة للمحرومين والفقراء ونحن في شهر كريم. تحوّل شهر رمضان على "فايسبوك" و"تويتر" إلى حلبة للتنافس واستعراض العضلات بين الصائمين، الذين غاب عنهم الإدراك الحقيقي لمعنى الصيام، فحولوا رمضان إلى شهر للاستهلاك بعيدا عن الروحانيات التي يتميز بها الشهر الفضيل، وإلا فبماذا يمكننا تفسير الرياء الذي يطبع سلوكيات نسبة كبيرة من المواطنين الذين يتعمدون المشاهرة بالبذخ في شهر العبادة؟. كم من المؤسف أن ينحدر سلوك المسلم إلى هذا المستوى من السطحية، في وقت تأتينا فيه دروس مغايرة تماما من الغرب، أبطالها أشخاص ليسوا حتى بمسلمين كحال الوزير والبرلماني الكندي مارك هولاند، الذي يصوم شهر رمضان للعام الثاني على التوالي ليس بدافع الدين، ولكن بدافع الإنسانية ومن أجل توفير نقود الطعام والتبرع بها للفقراء. قد يقول البعض إنه لم يقصد التباهي بنشره لمائدة إفطاره وأنه يفعل ذلك من باب المشاركة مع الأهل والأصدقاء، لكن ما يمكن أن يحدثه سلوكه دون قصد من شأنه أن يؤذي آخرين أو أن يشعرهم بالفرق بين وضعه وأوضاعهم. "..حتى لا يشعر أبناؤهم بالنقص" قال أحد الآباء أنه اضطر على إثر الولائم التي تقيمها صديقات ابنته اللواتي يدعون بعضهم بالتداول، ثم يقدمون على تصوير الولائم ونشرها، على أن يرد الدعوة لصديقات ابنته، وأن يدفع كلفة هذه الوليمة وقد كانت باهظة بالنسبة له، فقط حتى لا تشعر ابنته بالنقص وحتى لا تشعر رفيقاتها أنها أقل منهم. وذكرت إحدى الأمهات أن تصوير الموائد ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أدى إلى إلحاح أبنائها وبناتها عليها أن تعد مائدة أكبر كلفة مما تقدر عليه العائلة، لأنهم يريدون أن يصوروا هذه المائدة ويتباهوا بها أمام أصدقائهم وحتى لا يشعروهم بالنقص المادي الذي يعانون منه. حالات إحراج كثيرة تنجر عن تصوير موائد الإفطار لا يحسب لها البعض حسابا، ولو تمعنوا قليلا لاكتشفوا بأن ما ينجرّ عنها يخرجهم من دائرة الصائمين، لأنهم يحرجون غيرهم من غير القادرين من المسلمين في هذا الشهر الفضيل، هذا الشهر الذي ينبغي فيه أن نشعر بجوع الفقراء وأن نساهم في إطعامهم مما نملك، لا أن جعله مناسبة للتباهي والتفاخر وكسر خواطر المحتاجين دون علم أو قصد. ناشطون يطلقون حملة لمحاربة الظاهرة بالموازاة مع انتشار الظاهرة، أطلق ناشطون على "فايسبوك" حملة تدعو الصائمين لاتقاء الله والتخلي عن مثل هذه العادة التي تفسد الصيام، فضلا عما تسببه من اختراق لخصوصية البعض، خاصة وأن بعض الأبناء يفعلون ذلك دون استشارة أوليائهم، والكثير من السيدات وجدن موائدهن على مواقع التواصل الاجتماعي وهن غير عارفات بذلك من الأصل. الحملة لقيت استحسانا كبيرا من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، كما يبدو أنها فرملت الظاهرة وأحرجت أبطالها منذ الأسبوع الأول من شهر الصيام، وضمنت عدم تمادي ممتهني الظاهرة في مواصلة سيرتهم. الأخصائية الاجتماعية بديعة بن محمد: حب الظهور.. سبب الظاهرة وأكدت الأخصائية الاجتماعية، بديعة ين محمد، أن من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى إساءة استخدام التقنيات الحديثة يعود إلى الجهل، ونقص الوعي، وعدم التقدير لما يمكن أن يترتب على هذا الاستخدام السيء من نتائج وآثار سلبية، إلى جانب الرغبة في تقليد الآخرين، وإشباع الرغبة في حب الظهور، إضافة إلى ضعف الرقابة والمتابعة والإشراف من قبل الوالدين. وأضافت "ليس تصوير موائد الطعام فقط هو ما يجب أن نحذّر منه، بل كل أنواع الصور التي تتحدث عن خصوصيات الأسرة وتكشفها أمام الآخرين، فمن جهة من الممكن أن يتم استغلال مثل هذا النوع من التواصل من قبل ضعاف النفوس، فضلاً عن أنها تعتبر تعدياً على حقوق الأسرة. ح/سامية