أ.د.علي خفيف كنت في الصائفة الماضيّة في أحد شواطئ عنّابة الجميلة، فرأيت مجموعة من الشّباب يحملون رايةً مكتوبا عليها" لا للكلام الفاحش" أعجبتني المبادرة وأكبرتُ مستوى الوعي الذي يمتلكه هؤلاء الشّباب للتعبير على السّلوك الإيجابي للمواطنة.. تمنَّيْتُ لو تقتدي كلُّ الأحزاب والجمعيّات والنّوادي بهؤلاء الفتية حديثي السنّ.. فقد تذكَّرْتُ أنّني سمعتُ مرّة في حديقة عامّة شابّين يتباريان أيّهما يأتي بعبارةٍ أكثر فُحْشاً!.. كما تذكَّرْتُ أنني سمعتُ في مرّةٍ أخرى، طالباتٍ في الحرم الجامعيّ حَدَثَتْ بينهنّ خُصومةٌ فأَخَذْنَ يُعَبِّرْنَ على أعلى مراتب البلاغة في الكلام الفاحش دون حياء!..وبدأتُ أُفكِّرُ في انتشار وباء الفُحْش اللغوي في مدننا.. إلى درجة أنّك لا تستطيع أن تتجوّل مع عائلتك دون أن تسمع ما يجرح حياءك. وقد تسمع عبارات فيها سبٌّ للدّين!.. وتذكّرْتُ كيف أخذ هذا المستوى من الخطاب ينتقل من الشَّارع إلى القاموس السيّاسيّ والإعلاميّ إلى درجة أنك أصبحتَ تسمع من يسبُّ المقدّسات، ويسبّ آباء الجزائريين الذين يخالفونه الرأي في التلفزيون!.. وذهبتُ بعيدا.. فقلتُ: لماذا يملأ النّاسُ الدّنيا ضجيجا، لمّا ينشر صحفيّون غير مسلمين في جريدةٍ أوروبيّة صورا مسيئةً للرسول صلّى الله عليه وسلّم.. ولا يهتمّون عندما يسمعون سبّ الله يوميّا في شوارعهم!..أليس أحرى بهم أن يهتمّوا بتربيّة أبنائهم حتى ينظّفوا ألسِنتَهم من الفُحش وسَبِّ الدّين!..وتذكّرْتُ الضجّةَ الإعلاميّةَ الكبرى حول الروائي كمال داود، حين كتب على لسان إحدى شخصيات روايته عباراتٍ مسيئةً للإسلام..فتساءلتُ: لماذا يُنْكرُ النّاسُ الكلامَ الفاحشَ وسبَّ المقدَّسات على ألسنة الشَّخْصيّات الورقيّة في الروايات، ولا ينكرون ذلك أيضا على مستوى الشّارع الذي يعيشُ فيه أبناؤهم ويسعَون لمعالجته!.. ماذا يعني انتشار اللغة الفاحشة علميّا؟: يعني أن المجتمع أصبح عنيفا إلى أقصى درجات الخطورة.. لأن العُنْفَ قبل أن يتحوّل إلى سلوك يبدأ بأقوال تتردّد بكثرة، فيتعوّد الناسُ على مدلولاتها، وتترسّخ في اللاوعي لتتحوّل إلى أفكار ثمّ تتحوّل إلى سلوك..فمن منظور علماء الاجتماع اللغوي وكذلك التّحليل النّفسي: أن اللغة تُشَكِّلُ أهمّ عنصر في التنشئة الاجتماعيّة، ويمكن تقليص التجربة البشريّة وردّها إلى عدد من المعادلات اللغويّة..لأنّ اللغة هي الوسيلة الوحيدة للكشف عن الأبنيّة الفكريّة الكامنة في اللاوعي.. وعليه فإنّ تفشّي الكلام الفاحش في شوارعنا مُعادِلٌ موضوعِيٌ للمخزون الكبير من العُنْف، الذي يدلّ على أنّ المجتمع على حافة الانهيار.. وكلُّنا معنيٌّ بمعالجة ذلك..لأنّ الأمْنَ الاجتماعيَّ جزءٌ لا يتجزّأُ من الأمن القومي العامّ.. فهذا الشّبابُ العنيفُ يسهل استخدامُه.. وسيكون في كلّ مرّة وَقُوداً لكل الأعمال التَّخريبية.. يحاول بعضُهم أن يقفِزَ على الواقع بالقول: إنّ العُنْفَ موروثٌ جينيًّا من تاريخنا الثّوريّ الطّويل!..حاشا لأعظم ثورةٍ قامتْ على مبدأ الكرامة والحرّيّة أن تُوَرِّثَ العنفَ بدل التّسامُحِ والحُبِّ.. ولكنَّ أسبابَ العنفِ ترجع إلى سوء تربيّةِ شبابِنا الذي تتحمَّلُه الأسْرةُ والمدرسةُ والإعلامُ والثَّقافةُ والسيّاسةُ والمجتمعُ برمّته.. والمحصِّلةُ أنّنا في حاجة إلى ثورة أخلاقيّة يشارك فيها الجميع إذا أردنا تحصين الوطن من انزلاقات المتهوِّرين.