على امتداد معظم القرن الماضي، ارتبط القانون الدولي بالاستقرار من خلال صياغة معاهدات ومؤسسات واتفاقيات متعددة الأطراف توفر أطرا واضحة للتعاون بين الدول. لكن البيئة العالمية التي وُضعت فيها هذه القواعد تشهد تغييرات سريعة وعميقة. فاضطرابات المناخ، والتحولات في المنافسات الجيوسياسية، والديناميات الاقتصادية والتكنولوجية الناشئة، تعمل جميعها على إعادة تشكيل النظام الدولي ليدخل القانون الدولي مرحلة تحول حقيقية. يفسر كثير من المعلقين اللحظة الراهنة بأنها أزمة. فبعض الدول تنسحب من المعاهدات، وتشكك في سلطة المؤسسات الدولية، وتتحدى قواعد كانت في السابق مقبولة على نطاق واسع. من اتفاقيات التجارة إلى الالتزامات البيئية، يبدو أن الاستقرار الذي سعت الدول للحفاظ عليه طويلا أصبح هشا بشكل متزايد. ويعتقد بعض المراقبين أن هذا التآكل يعكس ضعفا في نظام القانون الدولي. بيد أن هناك تفسيرا آخر ممكنا، وربما أكثر واقعية؛ فبدلا من اعتبار كل تحدٍ للمؤسسات القائمة تهديدا، يمكن حمل ذلك على أن القانون الدولي يتكيف مع واقع جديد. فالرؤية القائلة إن الوظيفة الأساسية للقانون الدولي تكمن في ضمان اليقين والديمومة، تعكس مرحلة تاريخية محددة: فترة ما بعد الحرب الباردة المستقرة نسبيا، حين اعتقد كثيرون أن المؤسسات الدولية قد وصلت إلى نوع من التوازن. لكن بات من الصعب التمسك بهذه الرؤية في ظل التحولات الراهنة. يشهد العالم اليوم مرحلة من التحولات الجيوسياسية العميقة. فالتغير المناخي وحده يغير أسس التفاعل بين الدول، حيث يهدد ارتفاع مستويات البحار البنية التحتية الساحلية، بل ويطال سلامة بعض الدول الجزرية. ففي حين تؤثر تقلبات الطقس على الأمن الغذائي وحركة الهجرة، يفتح ذوبان جليد القطب الشمالي مسارات شحن جديدة، ويزيد المنافسة الجيوسياسية على الموارد التي كانت سابقا غير متاحة. في الوقت نفسه، يصبح النفوذ الدولي أكثر تشظيا، مع مطالبة بعض الدول، خاصة في الجنوب العالمي، بدور أكبر في الحوكمة العالمية. ويعاد النظر في التحالفات القديمة، بينما يطرح التقدم التكنولوجي، من الذكاء الاصطناعي إلى العملات الرقمية، تحديات تنظيمية لم تصمم المؤسسات الحالية لمواجهتها. في هذا السياق، قد يكون من غير الواقعي توقع أن يظل القانون الدولي والمؤسسات دون تغيير. فالأطر القانونية المصممة لعصور سابقة قد لا تستجيب بفاعلية للظروف الجديدة. ومن ثم، فإن محاولات الدول تعديل المؤسسات أو الانسحاب من الاتفاقيات لا تعكس تجاهلا للقانون الدولي بل جهودا، وإن كانت ناقصة، لتكييفه مع واقع متغير. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تفكيك القواعد القائمة مفيد. فالكثير من الاتفاقيات الدولية تمثل عقودا من التفاوض، وتجسد معايير مهمة، بما في ذلك حماية حقوق الإنسان، والحفاظ على الموارد المشتركة العالمية، ويمكن أن يكون لتآكلها عواقب خطيرة. مع ذلك، يجب الاعتراف بأن القانون الدولي تطور دائما عبر فترات من الاضطراب. فقد كانت المؤسسات الدولية التي تشكل النظام الحديث، والمعروفة بالنظام الدولي القائم على القواعد، مثل الأممالمتحدة والعديد من المؤسسات والمعاهدات متعددة الأطراف، نتاج تحولات سياسية جذرية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حلت محل أطر سابقة لم تعد قادرة على التعامل مع واقع عصرها. قد تمثل اللحظة الحالية انتقالا مماثلا. ويعكس هذا التحول تحديات وفرصا في الوقت نفسه. لذا فقد حان التفكير الإستراتيجي في كيفية تطور الأطر القانونية لمواكبة الظروف العالمية الناشئة، سواء من خلال تصميم مؤسسات جديدة للتعامل مع النزوح المرتبط بالمناخ، أو إنشاء اتفاقيات مرنة تستجيب للتغير التكنولوجي السريع، أو إعادة تصور هياكل الحوكمة لتعكس التأثير المتزايد للقوى الاقتصادية الجديدة. بعبارة أخرى، المهمة لا تقتصر على الحفاظ على القانون الدولي كما هو، بل تمتد إلى المساهمة في تشكيل ما قد يصبح عليه. وقد تتطلب المقاربة العملية الاعتراف بأن الانسحاب من المعاهدات أو إصلاح المؤسسات لا يعني دائما رفض القانون نفسه، بل قد يكون جزءا من تفاوض حول كيفية عمل القواعد في بيئة متحولة. ومن خلال الانخراط البناء في هذه المسارات، يمكن للفاعلين الدوليين ضمان أن تواصل الترتيبات الجديدة تعزيز التعاون والمساءلة والاستقرار. كما تشجع هذه الرؤية على فهم أوسع لدور القانون الدولي، إذ يمكن النظر إليه ليس فقط كأداة لتحقيق اليقين، بل كإطار لإدارة التغيير، يوفر المبادئ والإجراءات والمعايير التي توجه التفاوض السياسي خلال فترات الانتقال. وفي الواقع، قد تعتمد مرونة القانون الدولي على قدرته على التكيف. فالأنظمة الجامدة تواجه خطر فقدان أهميتها عند تغير الظروف، بينما تتيح الأنظمة القانونية التي تتطور بالتوازي مع الواقعين السياسي والبيئي فرصة أكبر للحفاظ على الشرعية والنفوذ. هذا لا يعني أن الدول أو الفاعلين الدوليين يجب أن يتخلوا عن التزامهم بالتعاون متعدد الأطراف أو سيادة القانون. على العكس، تظل هذه القيم ضرورية في عالم يواجه تحديات مشتركة. لكن الدفاع عن هذه المبادئ لا يتطلب الدفاع عن كل مؤسسة أو معاهدة قائمة في شكلها الحالي. ومن المتوقع أن تشهد العقود القادمة مزيدا من التحولات في النظام الدولي، سواء بفعل الضغوط البيئية أو المنافسة الجيوسياسية أو الابتكار التكنولوجي، ما يعني تغييرا مستمرا في هياكل الحوكمة العالمية. والسؤال المطروح للفاعلين الدوليين ليس فقط كيفية مقاومة هذا التغيير، بل كيفية توجيهه. إذا تم التعامل مع اللحظة الحالية بعقلانية، فلا يجب رؤيتها فقط كأزمة للقانون الدولي، بل كفرصة لإعادة التفكير في كيفية عمل المؤسسات القانونية في عالم سريع التغير، والمساهمة في بناء نظام يظل ذا صلة وفاعلية في مواجهة التحولات العالمية العميقة. الجزيرة. نت