المفكر "بونيفاس" لا يعري فقط بل يجتث سياسة الابتزاز التي يمارسها اللوبي الصهيوني في فرنسا محمد مصطفى حابس/ جنيف – سويسرا معلوم أن الأقلام مرآة صادقة لشخصية أصحابها، وعبير بعضها يعكس عطر أصحابها، ومعلوم أيضا أن الأقلام أنواع وأشكال، ولكل قلم رونقه الخاص به ورائحة عطرة يتميز بها، تسهم بشكل أو بآخر في جذب القراء، لما يخط القلم من مداده وينثر من شذا عبيره، فالقلم الناقد كلما كان راقيا في فكره وأسلوبه، واضحا في معالجته، أمينا في نقله لما يطرحه من موضوعات بناءة يصبح مرغوبا ومحببا لجمهور القراء مهما كانت ميولهم الفكرية. وفي حياة كل منّا أقلام مبدعة رائعة تسر العين تارة وتلهب العقول أحيانا، لما تطرحه من أعمال نزيهة ملتزمة تعكس تجرد وروعة كتّابها، الخير نهجها والحب محرابها والفضيلة معبدها الخالد، حتى ولو كانت تغرد في سرب بعيدا عن أرضنا وديننا ولغتنا.. عن هذه الأقلام الغربية، كنا قد أمطنا اللثام للقارئ الكريم عن بعض منها، في أعداد سابقة من البصائر، رقم 732 ورقم 793، وكتبنا حينها عن قامات كبرى من قامات الأقلام الغربية والفرنسية تحديدا، في شخص كل من "ريجيس دوبري" و"إدوي بلنيل " و"فرانسوا بيرقات" (1)، الذين أنصفوا العرب والمسلمين أيما إنصاف، بل أحيانا قدّموا صورا ونماذجا غاية في اللطف والموضوعية، أحسن بكثير من أبواق العديد من "عبيد العرب" من مثقفينا المستلبين حضاريا وتراثيا من بني جلدتنا المقيمين في ديار الغرب، والذين انسلخوا حتى عن ثوابت الأمة ونخوة الملّة.
«المثقفون المزيفون» أو النصر الإعلامي لخبراء الكذب واليوم يطيب لنا أن ندعوكم لتصفح مواقف نادرة وبطولية لقلم نزيه في شخص الكاتب والمفكر الفرنسي المعروف ومدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية "باسكال يونيفاس"، الأكاديمى البارز الذي ينظر بعين ويبكي بعين، بل قل هو مثقف نقدي بالمعنى السارتري، وأحد أبرز المحللين الإستراتيجيين الفرنسيين. ويعتبر باسكال بونيفاس، من بين الباحثين والمثقفين، الذين يتمتعون بحضور في المشهد الإعلامي، ويُعرف بكونه مناهضا للخطابات الأحادية في القضايا التي تهم الإسلام والعرب وحضور المسلمين في الغرب، وكيفية تقديمهم للمشاهد والقارئ الغربي.. أصدر العديد من الأعمال اللافتة، التي تزيد عن 50 كتابا، ترجمت للغات عدة، لعل أهمها: «فهم العالم»، «لماذا كل هذه الكراهية»، و«نحو الحرب العالمية الرابعة»، وهو كتاب ينتقد فيه أطروحة «صدام الحضارات» لصموئيل هيتنجتون، وكتاب «من يجرؤ على نقد إسرائيل؟»، وكتاب «المثقفون النزيهون»، وكتاب «المثقفون المزيفون »، حيث كنا أفردنا لهذا الأخير مقالا بعنوان "المثقفون المزيفون .. النصر الاعلامي لخبراء الكذب" (2)، أين يفضح الكاتب بأدلة دامغة كيف يصنع الإعلام الفرنسي خبراء في الكذب، وكيف يتم استحواذ فئة من الصحفيين والمعلقين والخبراء، على الفضاء الإعلامي والثقافي الفرنسي، لقلب الحقائق بهدف توجيه الرأي نحو قناعات إيديولوجية أحادية البعد، إذ جاء كتابه «المثقفون المزيفون» كصرخة ضمير حي وشهادة موثقة، يكشف فيه مؤلفه "ستائر الجريمة الجديدة والخطيرة الممثلة في تزييف الوعي والكذب المتعمد وتغيير الوقائع بهدف التأثير في الجمهور وتوجيه الرأي العام، طبقا لأجندة يختلط فيها السياسي بالمالي والإيديولوجي بالطائفي"، في بعد تام كل البعد عن منطق البحث عن الحقيقة وتمجيدها. من هؤلاء المثقفين المزيفين "أبواق الصهيونية العالمية"، كل من "برنار هينري ليفي"، قيصر الإعلام الفرنسي وعراب الربيع العربي في ليبيا، و"ألكسندر آدلر"، و"فرانسوا هزبورغ"، و"فريديرك إنسل"، و"تيريز دبلش"، و"فيليب فال "و"كارولين فوريست"، مدللة وسائل الإعلام الفرنسية والعميل محمد سيفاوى الجزائرى الأصل (3). هؤلاء المرتزقة كما يسميهم، ليس من الغريب أن يكون الجامع المشترك بين هذه الأيقونات الثقافية الإعلامية المتعفنة، دعمهم المطلق و اللامشروط للوبي الإسرائيلي، في مقابل إصابتهم بالإسلاموفوبيا، ثم قربهم الحميم من مخابرات دواليب السلطة والقرار بأروقة الإليزيه، وهو ما يفسر بالامتيازات العديدة التي يحظون بها ماديا وإعلاميا وسياسيا، لكن يبقى الأهم هو عدم ترددهم في تزييف الحقائق ونشر مغالطات لا علاقة لها بالواقع، فهم لا يتورعون من أجل كسب معاركهم وسجالاتهم بالتضحية بالحقيقة من أجل الانتصار والظهور وإرضاء أصحاب القرار والنفوذ…
رغم الحصار والتعتيم الإعلامي الفرنسي ورفض طبعه من طرف 14 دار نشر تبقى الإشارة إلى أن كتاب «المثقفون المزيفون» الذي صدرت ترجمته العربية عن دار "ورد" في دمشق، وهي ترجمة متوسطة الحال بل ناقصة نوعا ما، بتوقيع المترجمة السورية، روزا مخلوف. الكتاب يبدو أنه ليس كتابا إشكاليا وجدليا فقط، بل لعله كتاب انتحاري أيضا، لأن كاتبه يتحدى منظومة التضليل الإعلامي الفرنسية، ويغامر بالهجوم على لوبي الصهيونية في فرنسا الذي يمنع أي محاولة للهجوم على إسرائيل أو الانتصار للعرب، متسلحا بالتهمة الأكثر شيوعا، والأقوى تهديدا في فرنسا، وهي العداء للسامية، ولهذا رفضت 14 دار نشر على حد إشارة المؤلف طبع الكتاب وتوزيعه خوفا من أن يلحق بها هذا اللوبي الخسائر!. حقق كتاب «المثقفون المزيفون» الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب والتضليل، رقم مبيعات وصل إلى ستين ألف نسخة بعد بضعة أشهر فقط من صدوره فى عام 2011، و أكثر من مائتي ألف نسخة بعد أقل من عامين على نشره، رغم أن 14 دارا للنشر رفضت نشره كما أسلفنا، ورغم التعتيم الإعلامي الذي قامت به وسائل الإعلام الفرنسية التقليدية، من صحف وبرامج سياسية وثقافية في المحطات الفضائية، التي تجاهلته على نحو شبه كلي، إلا أن الكاتب كسر الحسار وجعله اليوم في متناول الجميع ومجانا، فيكفي للقارئ تنزيله من المواقع الإلكترونية.
«معادٍ للسامية» كتاب جديد يكشف مؤامرة اللوبي الصهيوني وهاهواليوم المفكر الفرنسي الحر "بونيفاس"، يضرب في العمق مرة أخرى، في الوقت الذي يتاجر فيه حكام العرب بمبادئنا وثوابتنا، بإصداره كتابه الجديد بعنوان «معادٍ للسامية»، الذي نفذت طبعته الأولى في الأيام الأولى من هذا الأسبوع، وهو الصادر عن دار نشر "ماكس مالو" الفرنسية، أين يسرد بالتفصيل وقائع وأحداث جرت معه شخصيا، وتتقاطع كلها حول ما عاناه من "ابتزاز ومحاولات ترهيب"، بل وتهديد بالقتل، بتهمة معاداة السامية من طرف اللوبي الصهيوني في فرنسا، بسبب موقفه الرافض للانتهاكات الإسرائيلية في فلسطينالمحتلة. في أولى صفحات كتابه «معادٍ للسامية»، الذي يضم مئتي صفحة، كتب المفكر "باسكال بونيفاس" يقول "لم يثبت عني يوما أني تفوهت أو كتبت كلمة أو جملة واحدة توحي بأني معاد للسامية"، ويضيف "ولم ترفع ضدي أية دعوى – ولو مرة واحدة- أمام المحاكم في هذا الصدد"، ورغم ذلك فهذه "التهمة الجاهزة تلاحقني" منذ نحو عقدين من عمري، من قبل ساسة وبعض حكام فرنسا. ويمضي الكاتب في شرح أسباب وجذور هذه الاتهامات، مؤكدا أن البداية الأولى لهذه "الافتراءات والأراجيف" ترجع إلى عام 2001، حين كان مستشارا إستراتيجيا لدى الحزب الاشتراكي، في الفترة التي كان فيها فرانسوا هولاند أمينا عاما للحزب.
شخصيات سياسية نافذة لا تزال تضغط من أجل "اغتيال" بونيفاس "أكاديميا" وكتب بونيفاس تقريرا انتقد فيه الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطينالمحتلة، ودعا فيه الاشتراكيين إلى اتخاذ موقف حازم من حكومة أرييل شارون، لكنه تعرض لهجمة شرسة من قبل "اللوبي الإسرائيلي داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي"، وقامت قيادات يسارية موالية للدولة العبرية، بتحريف ما جاء في تقريره، واتهموه بالتحريض عليها، وبمعاداة السامية، لكن بونيفاس اعتبر الأمر مجرد أراجيف وخديعة بهدف إسكاته وإجباره على الاستقالة من الحزب الاشتراكي ونجح المتربصون بالمفكر الفرنسي في دفعه للاستقالة من الحزب الاشتراكي في سنة 2003، لكنه رغم ذلك واصل فضح انتهاكات إسرائيل منددا بمحاباة الحكومة الفرنسية للوبي اليهودي المتمثل في ال «كريف» أي "المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا"، الذي يعتبر من أهم المؤسسات الفرنسية المدافعة عن إسرائيل «معادٍ للسامية»،. ويعتبر بونيفاس، أن الحملة ضده لا تزال متواصلة حتى الآن، وأن شخصيات سياسية نافذة لا تزال تضغط من أجل "اغتياله أكاديميا". ويشير المفكر الفرنسي إلى أنه بعد فشل الرئيس السابق ال «كريف»، روجي كوكرمان، في الضغط على الحكومة الفرنسية بهدف إقالته من إدارة "معهد الدراسات الدولية الإستراتيجية"، أحد أكبر المؤسسات البحثية في أوروبا، طالب قبل أشهر رئيس الوزراء الفرنسي السابق، مانويل فالس – أحد أكبر السياسيين الداعمين لإسرائيل- بإقالته من جديد من إدارة المعهد وقطع التمويل العمومي عنه، على خلفية مواقفه من الدولة العبرية. ويرى "بونيفاس" أن من العار استغلال "تهمة جاهزة" تتمثل في معاداة السامية لحماية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من المحاسبة وتبرير جرائمها المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، واعتبر أن اللوبي الإسرائيلي في فرنسا يشهر هذه الفزّاعة في وجه كل من يتجرّأ على انتقاد إسرائيل، ولمنع كل ما من شأنه فضح أو انتقاد انتهاكاتها للقرارات الدولية. ويشرح "بونيفاس" في كتابه كيف أن "حملة شيطنة ممنهجة" تواصلت ضده على يد خصومه، من خلال استخدام الآلة الإعلامية التي يتحكم فيها اللوبي الصهيوني التي رفضت "إجراء بحث واستقصاء حول الاتهامات الكاذبة" ضده. واعتبر المفكر الفرنسي أن الهدف كان واضحا، ويتمثل في "ترهيب أي شخص آخر يجرؤ على انتقاد إسرائيل".
من أشكال الترهيب التي تعرض لها "بونيفاس"وعائلته.. رسائل تهديد بالتصفية الجسدية ويشرح صاحب كتاب «معادٍ للسامية»، كل أشكال الترهيب التي تعرض لها هو وأفراد من عائلته، من بينها رسائل تهديد بالتصفية الجسدية، والتضييق عليه أكاديميا، حيث ألغيت له العديد من الندوات والمحاضرات في عدد من الجامعات والمعاهد، ولازالت.. وهناك العديد من الأمثلة المؤلمة الأخرى للتهديدات والتخويفات والأكاذيب المنبثقة عن الشخصيات المؤيدة لإسرائيل أمثال (بيرنار هنري ليفي، فريدريك هنسال، مالك بوطيح، باتريك كلوغسمان، فريدريك حزيزة، مانويل فالس، وما إلى ذلك)، أمام شيطنة أعاصير هؤلاء القوم من العرب والعجم، لا يمكن للقارئ إلا أن يقف إكبارا وإجلالا لثبات المفكر باسكال بونيفاس، الذي فضل دائما أن يجادل بالحقائق بدلا من أن يستسلم لصفارات التآمر ونعيقها المتوالي حينا ضده وأخرى ضد مبادئه وقناعاته الراسخة، وليكن ما يكون ثمن التضحية، ويصدق فيهم قول شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، الذي أنشد ضد سياسة ديغول، عام 1960: فقدت فرنسا رشدها وصوابها *** وغدت تسجل في الأنام ضلالها فاترك فرنسا وهي في أحلامها*** سكرى يمزق جندها أوصالها لا خير يرجى من عواقب أمة*** أولت زمام أمورها أنذالها
فعلا لمثل هؤلاء الكتاب المقاومين المرابطين الصامدين، تجب التحية إجلالا وتقديرا لأفكارهم وأقلامهم، لأن الكتابة رسالة وأمانة، وشهادة اعتراض ونأي بالنّفس وبالفكر وبالعقل عن منطق القولبة والتعليب، والهضم والضمّ.. فالكتابة، كما يقول أحد العارفين " اعتراف بالذات، واحترام لها، وتحرير للقلم، بل وإعلان نهائيّ لحاكميّة الضمير على الموقف"، لأن الكتابة الصادقة تمرّد على الظلم، الكتابة فعل إيمان بمبدأ وانتماء لقضيّة. وأجمل الكتابات تلك التي سطرت بدماء كتّابها، تلك التي تحدّت كلّ الأسوار، واقتحمت كلّ الحواجز لتقدّ مضاجع الفراعنة وسماسرة الدماء، لتخرج الشّمس من مخدعها، لتضيء القمر بنور ربها، فتبعث بأجمل الكتابات التي أضحت عبر الأجيال على شفاه الكادحين أناشيداً للخلاص، وجسور سلم بين الأمم وشعوبها على اختلاف الملل والنحل، فمبروك وألف مبروك للمفكر الحر "بونيفاس" بهذا الكتاب الواعد، ومبروك لفرنسا مداد قلم "بونيفاس" المنصف الحر رغم المحن، {ولله في خلقه شؤون}…. هوامش: (1)- François Burgat, directeur au CNRS (IREMAM) ; Régis Debray, philosophe et essayiste (2)- Pascal Boniface «Les Intellectuels faussaires: le triomphe médiatique des experts en mensonge», Gawsewitch Editeur, 2011 (3)- Ces intellectuels faussaires, qui squattent en permanence nos plateaux de télévision et occupent régulièrement nos studios de radio en France, ont pour nom, principalement, Alexandre Adler, Caroline Fourest, Thérèse Delpech, Frédéric Encel, François Heisbourg, Philippe Val et, bien entendu, Bernard-Henri Lévy, leur seigneur et maître, sans oublier l'arabe de service l'algérien Mohamed Sifaoui. (4)- Pascal Boniface a écrit une cinquantaine d'ouvrages, alternant essais et livres pédagogiques sur les questions stratégiques, comme : * La France est-elle encore une grande puissance ?, Presses de Sciences Po, * Est-il permis de critiquer Israël ?, Laffont, 2003 * Les Défis du monde arabe, avec Didier Billion (dirs.), PUF, 2004 * Chroniques proche-orientales : [2001-2005], Dalloz * Halte aux feux : Proche-Orient, antisémitisme, médias, islamophobie, communautarisme, banlieue…, avec Elisabeth Schemla, Flammarion, 2006 * Vers la Quatrième guerre mondiale ? Où on en est après Gaza après Obama, A. Colin, 2009 * Pourquoi tant de haines ?, Editions du Moment, 2010 * Les intellectuels intègres, Gawsewitch Editeur, 2013 * La France malade du conflit israélo-palestinien, Salvator, 2014