من فضل الله على عباده أن شرع لهم عبادات موسمية يُحصّل فيها المسلم الأجور والخيرات، ويصحح بها وجهته إلى الله، ويستدرك فيها ما قصَّر في جنب الله، ومن هذه الطاعات الموسمية سُنّة الاعتكاف. الاعتكاف شعيرة من شعائر الإسلام، وفي اللغة هو اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه؛ خيرا كان أو شرا، ومنه قول الله تعالى: {يعكفون على أصنام لهم}، وقوله تعالى {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}، وقوله سبحانه {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}. أما شرعا، فهو لزوم مسلم مميز مسجدًا مباحا لكل الناس بصوم، كافا عن الجماع ومقدماته، يوما وليلة فأكثر، للعبادة بنية. وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في رمضان خاصة، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه اعتكف العشر الأوائل منه، ثم العشر الأواسط، ثم داوم على اعتكاف العشر الأواخر، التماسا لليلة القدر. وفي العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف العشر الأواسط والأواخر معا. كما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في غير رمضان، فكان ذلك تشريعا منه لجواز الاعتكاف في كل زمان. وقد اعتكف أصحابه وزوجاته رضي الله عنهم أجمعين في زمانه ومن بعده، ما يدل على أن الاعتكاف سُنّة ماضية إلى يوم الدين. ودليل مشروعية الاعتكاف نجدها في الكتاب والسنة والإجماع، ففي الكتاب؛ قال الله سبحانه وتعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}، وقوله تعالى {أن طهرَا بيتي للطائفين والعاكفين}. وفي السنة ما رواه ابن عمر وأنس وعائشة رضي الله عنهم "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان مند قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى". أما الإجماع؛ فقد أجمع العلماء خلفا وسلفا على أن الاعتكاف سُنّة قديمة من سنن الأنبياء والمرسلين. والهدف والمغزى من الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الله عز وجل والإقبال والانقطاع إلى العبادة في أوقات الفراغ. والاعتكاف مستحب كل وقت في رمضان وغيره. وأقله عند السادة المالكية يوم وليلة، والاختيار ألا ينقص عن عشرة أيام مع الصيام من رمضان أو غيره. وقد اشترط أهل العلم شروطا لصحة الاعتكاف، منها: الإسلام، العقل، التمييز، كونه في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لئلا يخرج لكل صلاة، إلا مساجد البيوت المحجورة، النية، الصوم، والطهارة من الجنابة والحيض والنفاس. وزاد المالكية الاشتغال بالعبادة على قدر الاستطاعة ليلا ونهارا. أما مكروهات الاعتكاف، فهي: أن ينقص عن عشرة أيام أو يزيد على الشهر، الأكل بفناء المسجد أو رحبته، الاشتغال بعلم إذا أكثر من ذلك ولو شرعيا. وتتمثل مبطلات الاعتكاف في الخروج من المسجد بلا عذر، الجماع ولو ناسيا، الإنزال بسبب مداعبة أو قبلة، الردة، السُّكر، الإغماء والجنون الطويلان، الحيض والنفاس، والوقوع في كبيرة كالغيبة والنميمة والقذف. ولما كان المقصود من الاعتكاف الانقطاع عن الناس والتفرغ لطاعة الله، كان على المعتكف أن يراعي في اعتكافه جملة من الآداب، منها الإكثار من العبادة كقراءة القرآن الكريم وذكر الله تعالى والاستغفار والصيام؛ وهو عند غير المالكية شرط، واجتناب كل ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال. إمام مسجد سلمان الفارسي سبدو تلمسان