أجمع المشاركون في ندوة نظمت أمس، بالجزائر العاصمة، على أن الراحل حسين آيت أحمد، مؤسّس حزب جبهة القوى الاشتراكية، يبقى قامة تاريخية وسياسية شامخة في تاريخ الجزائر الحديث، معتبرين إيّاه رائد طليعة جيل نوفمبر المجيد الذين كان لهم الفضل في التضحية من أجل استقلال الجزائر، والداعي إلى تغليب لغة الحوار والمصالحة كأحد مفاتيح حل الأزمات. وأكد أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر الدكتور محمد لحسن زغيدي، في تدخل له خلال هذه الندوة التي احتضنها أمس الثلاثاء، منتدى جريدة "المجاهد" بالعاصمة، تكريما لروح المجاهد والمناضل السياسي حسين آيت أحمد، بمناسبة الذكرى الأولى لوفاته، أن الرجل يصنّف كأحد الشخصيات التاريخية والسياسية التي صنعت لنفسها نموذجا نضاليا ليس كباقي النماذج، بالنظر للدور السياسي والثوري الكبير الذي قدّمه قبل اندلاع الثورة التحريرية إلى غاية وفاته، مشيرا إلى أنه لا يمكن الحديث عن صنّاع التاريخ دون ذكر اسمه الذي يبقى خالدا في سماء الحريّة والاستقلال. وأوضح السيد زغيدي، أن تكوين شخصية الدّا الحسين اجتمعت فيها عدة خصوصيات وعوامل لها أثرها البالغ في ذلك بالنظر للمسار التاريخي الذي عاشه منذ ولادته سنة 1926، تزامنا مع سنة إقامة صرح الأساس للثورة انطلاقا من تأسيس حزب نجم شمال إفريقيا، وترسيخ فكرة البعد المغاربي التي كان ينادي بها بعيدا عن الجهوية والنظرة الفردية الضيّقة، معتبرا أن تاريخ 8 ماي 1945 كانت نقطة تحوّل حاسمة في مسار الراحل، الذي تخلّى عن النضال السياسي وانتقل إلى العمل المسلّح، وهو ما دفعه فيما بعد في مؤتمر حزب الشعب يوم 15 فيفري 1947 إلى تكوين المنظمة الخاصة تحضيرا لتفجير الثورة. كما تطرّق المؤرّخ في السياق، إلى سعي آيت أحمد الدائم لايجاد مصادر تمويل لثورة التحرير، وخير دليل على ذلك هو الهجوم الذي شنّه رفقة بن بلة على بريد وهران والاستحواذ على أمواله لشراء السلاح والعدة. معتبرا أن قيمة شخصيته لم تتراجع رغم قرصنة الطائرة التي كانت تقل ما يعرف بالزعماء الخمسة القادمة من المغرب نحو تونس. ومن جهته، استعرض السعيد شيبان، أحد رفاق درب الفقيد وزميله في الدراسة بثانوية بن عكنون سنوات الأربعينيات، الجانب النضالي للراحل على المستوى الخارجي، خاصة بعد اكتشاف استخبارات الجيش الفرنسي للمنظمة الخاصة وحلّها تزامنا مع تأسيس الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني بالقاهرة، حيث لعب دورا رياديا في الاتصال بكبار الشخصيات في تلك الفترة لكسب تأييد خارجي واسع للقضية الجزائرية. كما أوضح السيد شيبان بالمناسبة، أن المناضل حسين آيت أحمد، حرص طيلة مشواره الثوري والسياسي على وحدة الصف والكلمة ونبذ جهوية الثورة والممارسة السياسية، إلى جانب التزامه بإرجاع سيادة الوطن للشعب مصدر السيادة دون سواه، مذكرا بأنه كان مدافعا قويا عن المصالحة الوطنية بين كافة القوى خاصة في خضمّ أزمة صائفة 1963، تجنيبا لانفلات الأوضاع أنذاك واحتمال حدوث حرب أهلية بسبب الخلاف الذي كان مطروحا بين مناضلي (الأفافاس) وأحمد بن بلّة رئيس الجمهورية في تلك الفترة. وفنّد المتحدث في هذا الإطار المزاعم التي أشارت لإطلاق مناضلي الحزب النار على عناصر الشرطة والأمن، متحديا هؤلاء بتقديم أدنى أو أبسط دليل يؤكد ذلك، قبل أن يدعو الحضور إلى مراجعة كتاب الفقيد الذي ألّفه علي المسيلي، وكتاب علي يحيى عبد النور المعنون ب«الأزمة البربرية"، للتأكد من كل ذلك. أما المجاهد لخضر بورقعة، فقد سلّط الضوء على الجانب السياسي للفقيد ومرحلة الأزمة السياسية التي عاشتها جبهة القوى الاشتراكية ما بعد الاستقلال، لاسيما مع عقد اجتماعات المجلس التأسيسي الأول للحزب، وما تمخّض عنها من أفواج تضم كل من أعضاء الداخل والخارج والتمثيل الخاص بالمعتقلين والمسجونين. وأوضح بورقعة، أن الراحل آيت أحمد اكتشف في شخصيته شيئين مهمين كمال قال: الجانب الإنساني والأخلاقي، خاصة في تعامله مع مناضليه وخصومه في الرؤية السياسية والمواقف إزاء القضايا الوطنية، وكان حريصا كل الحرص كما قال على عدم التفرقة ووحدة الصف وجعل مصلحة الوطن أولوية الأولويات. وللاشارة، فقد تم عرض شريط مصوّر لمدة 15 دقيقة تناول المسار التاريخي والسياسي للرجل الذي وافته المنية السنة الماضية عن عمر ناهز 89 سنة، وأهم المحطات التي عاشها داخل وخارج الوطن، مع تسجيلات لتصريحاته في بعض القنوات التلفزيونية حول بعض قضايا السياسة والثورة، كما اعتذرت جمعية مشعل الشهيد التي بادرت بتنظيم هذه الندوة عن عدم حضور نجل الدا الحسين يوغرطة الذي يتواجد خارج الوطن، وكذا إطارات ومناضلي الحزب بسبب انشغالهم بإحياء ذكرى وفاة الرجل التي ستكون يوم 24 ديسمبر الجاري.