❊ مولد الثوار وعمالقة الفن يتهاوى ❊ مشروع حماية "قصبة البليدة" مجمَّد ❊ رد الاعتبار لحي الدويرات بعثٌ للموروث الثقافي حي الدويرات القديم أو ما يُعرف ب"قصبة البليدة"، واحد من المعالم التراثية التي تميز مدينة سيدي الكبير ويفخر بها سكان "الوريدة"؛ إذ يجمع بين العديد من الخصائص التي تمثل فخر عاصمة متيجة، التي يمتد عمرها الزمني إلى العهد العثماني. ولعل شكل دويراتها وما تحمل من زخارف وتصاميم شاهد على ذلك. كما تشكل مرجعا لتراث الولاية؛ لما كانت تُعرف فيه من عادات وحرف تقليدية، تعكس أصالة المجتمع البليدي، وكانت مخبأ للمجاهدين، وأرضا للثورات والشهداء. كما إن الحي شهد مولد عمالقة الفن؛ مثل الفنانة سلوى، ورابح درياسة، والفنانة المسرحية كلثوم... وغيرهم كثيرون. وعلى الرغم من التغيرات الكثيرة التي عصفت بالحي وغيرت ملامحه بالنظر إلى الحاجة الاجتماعية للأسرة من أجل التوسع، غير أن بعض العائلات العريقة لاتزال تحافظ على الطابع التقليدي لحي الدويرات العريق، وتأبى مغادرته. "المساء" تجولت رفقة ممثلين عن مديرية الثقافة لولاية البليدة والباحث في التاريخ الأستاذ يوسف أوراغي. ووقفت على بعض الحقائق التاريخية لهذا الحي العريق، وسط مطالب من السكان لحمايته، والترويج له، ليكون معلَما سياحيا يقصده الزوار لاكتشاف تاريخ "الوريدة" الممتد إلى الحقبة العثمانية. أصل تسميته بحي الدويرات أول ما يشد الزائر إلى حي الدويرات بقلب مدينة البليدة، إمكانية الدخول إليه عبر أربعة مداخل مختلفة، وهو ما يعكس توسطه مدينة الورود؛ حيث يمكن دخوله عبر باب الدزاير، أو مدخل دار بوعيبة، أو من باب الرحبة، أو عن طريق الشريعة، لتقابلك أزقة ضيقة تفصل بين الدويرات. ولعل خصوصية هذه الأزقة الضيقة أنها تعكس، حسب الباحث في التاريخ الأستاد يوسف أوراغي، "مدى التقارب والتلاحم بين العائلات قديما، وإمكانية تبادل الزيارات بكل سهولة فيما بينهم، مشيرا إلى أن أصل التسمية مستمَد من الدويرة في حد ذاتها؛ إذ كانت في ما مضى، عبارة عن منطقة تحتوي عددا قليلا من الدويرات، متفرقة هنا وهناك، فتم تجميع هذه الدُّور، فأُطلق على المنطقة اسم حي الدويرات. ولكن قبل ذلك وتحديدا في العهد العثماني، حسب المتحدث، كانت تسمى "أولاد السلطان"؛ حيث كانت البليدة تقع خارج صور الدولة العثمانية. وكان يمثل سكان الدويرات ممثل، أو حاكم الدويرات. وكان يتواصل مع الداي العثماني، ومن ثمة أُطلق عليها اسم "أولاد السلطان"، ولكن في الواقع التسمية الحقيقية للمنطقة هي حي الدويرات، أو "قصبة البليدة". الدويرات الوجه الآخر لقصبة العاصمة المتجول في حي الدويرات العريق يشعر كأنه يتجول في حي القصبة بالجزائر العاصمة؛ لشدة التشابه بينهما من حيث البناء العمراني، وضيق الأزقة الفاصلة بينهما، وكثرة الأدراج المرتفعة. غير أن الباحث في تاريخ البليدة يؤكد وجود بعض الاختلافات بين قصبة البليدة وقصبة العاصمة؛ الأمر الذي يعزز المطالب الملحة لحمايتها، وتشجيع السياح على زيارتها، خاصة أن الكثيرين من زوار "الوريدة" لا يعرفونها. ولعل أولى الفروق، حسب المتحدث، "طريقة تصميم أبواب الدويرات؛ حيث نجد أن أبواب حي الدويرات مقوّسة وصغيرة على خلاف أبواب قصبة العاصمة، التي تتميز بالاتساع والارتفاع. إلى جانب ذلك، نجد في حي الدويرات كل المنازل أسقفها مغطاة بالقرميد الأحمر على خلاف قصبة العاصمة، التي تتميز بالأسطح البيضاء، مشيرا بالمناسبة إلى أن السبب في الاعتماد على القرميد في عمران حي الدويرات، هو كميات الثلوج الكبيرة التي كانت تهطل على أعالي جبال الشريعة، حتى لا تظل عالقة على المنازل. كما إن المنازل كانت مبنية بطريقة احترافية؛ إذ إن سمك الجدران كبير حتى يحافظ على دفء المنازل في الشتاء، وعلى برودتها في الصيف. وكانت تُخص بفتحات أعلى الأبواب لتغير هواء المنزل، وهو الأمر الذي أبهر المختصين في العمران بالنظر إلى الطريقة الفنية والعلمية التي كانت معتمَدة في تصميم الدويرات بطريقة تستجيب لمناخ متيجة. وإلى جانب هذا يقول الباحث: "لعل ما يميز دويرات قصبة العاصمة أنها تحتوي في وسط الدار، على بئر للمياه، على خلاف وسط الدار بحي الدويرات، الذي يحوي أماكن مخصصة لزراعة شجرة الليمون، والياسمين، وكان بلاط الدويرات يجمع بين اللونين الأبيض والأسود"، ويوحي كما يقال إلى الخادمة وسيدتها، أو "لالاّها". مبادرات فردية للحفاظ على جمالية الحي ما شد انتباه "المساء" لدى تجولها بأزقة حي الدويرات، حرص بعض سكانها على إعطاء صورة جميلة للحي، من خلال الحفاظ على نظافته، وتعليق بعض الصور القديمة للحي على جدران الدويرات، والإكثار من غرس النباتات التي تشتهر بها الولاية، خاصة ما تعلق منها بشجرة الياسمين؛ الأمر الذي جعل بعض الأزقة تبدو في أجمل حلّة لها. وحسب بعض المواطنين من سكان الحي، فإن الدخلاء الذين اشتروا بعض المنازل على مستوى الحي، غيروا فيه، وأساءوا إلى طابعه العمراني. وعلى حد قول إحدى المواطنات من سكان الحي، فإن "الدويرات تبكي فراق أحبابها، وضيعت الكثير من ملامحها!". من جهة أخرى، أكد الباحث يوسف أوراغي أن أهم ما كان يميز حي الدويرات ويعكس تمسّك سكانها بتراثهم، حرصهم على غرس مختلف أنواع الأزهار التي تميز المنطقة. ويأتي في مقدمتها الحبق، والقرنفل، والعذراء، وخداوج، والمنيقشة، ومسك الرومي الذي كان يحضَّر منه أرقي أنواع العطور. وحسبه، فإن بعض العائلات العريقة بحي الدويرات لاتزال محافظة على الطابع التقليدي للحي؛ من خلال رفض أي تعديل على دويراتها، والحرص على تزيين منازلها بالأزهار والنباتات العطرية. معقل الشهداء وعمالقة الفن والمسرح وقفت "المساء" لدى تجولها بحي الدويرات على بعض الأزقة التي شهدت استشهاد 364 شهيد من أبناء "الوريدة"، بعضهم من عائلة واحدة؛ حيث كانت أزقة الدويرات شاهدة على اجتماعات الثوار والمجاهدين، الذين قدّموا أنفسهم في سبيل استقلال الجزائر. كما كانت شاهدة على ميلاد عدد من الفنانين، الذين صنعوا مجد الجزائر في المجال الفني. وكان ل«المساء" وقفة أمام المنازل، التي شهدت مولد الفنانة سلوى، والفنان رابح درياسة، ورشيد نوني، والفنان طوبال في الغناء الشعبي، والحاج المحفوظ في الطابع العروبي. وفي المجال المسرحي محمد التوري. والفنانة كلثوم في الطابع الكوميدي، والطيب أبوالحسان، وأحمد بن شوبان وبلقاسم تبتب. وأشار الأستاذ أوراغي إلى أن حي الدويرات العريق شهد أيضا، تخريج عدد من العلماء، منهم الشيخ بابا عمر المفتي الكبير بالجامع الكبير بالجزائر، والشيخ بن جلول، والشيخ الزبير. وأكثر من هذا يردف: "كان حي الدويرات وحده يضم ست مدارس قرآنية؛ ما يعكس تمسّك سكانها بتعليم أبنائهم تعاليم الدين الإسلامي". ويؤكد الباحث أن كل هذه الشخصيات الهامة خرجت من حي الدويرات العريق؛ مما يتطلب من وزارة الثقافة أن تصنفه ليكون بمثابة حي تراثي، يدخل في تراث البليدة، الذي يجب حمايته، خاصة أن عدد الدويرات التي تعود إلى العهد العثماني، أصبح قليلا بسبب موجة التغيرات التي طالتها، وغيرت من طابعها العمراني، وشوهت منظرها الجمالي بزخارفه. حمّامات اندثرت وحرف اختفت على غرار قصبة العاصمة التي كانت تشتهر بانتشار حمّاماتها التقليدية، فإن قصبة البليدة أو "حي الدويرات" هي الأخرى، كانت تعرف انتشار الحمّامات المعدنية القديمة، التي تصب مياهها من ينابيع جبال البليدة؛ حيث تتوفر على حمّامين، وهما حمّام "المخباط" الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1928، والذي لم يعد في الخدمة بسبب الإهمال وانهيار بعض أجزائه، وحمّام "الزهار" الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1940، والذي لايزال في الخدمة، ويحتاج إلى عناية الجهات المعنية، مشيرا إلى أن أكثر من 13 عينا كانت تنبع من موقع سيدي الكبير بمياه عذبة وباردة، اختفت كلها رغم أنها كانت تمثل ملتقى السكان لشرب الماء، والاغتسال فيها. وحسب الباحث يوسف أوراغي، فإن ما يجمع بين قصبتي العاصمة والبليدة أيضا، وجود بحي الدويرات زنقة خاصة بصناع الحرف التقليدية فقط، وكانت تسمى بزنقة الحرفيين؛ حيث تخصص بعضهم في صناعة حايك المرمة، وآخرون في صناعة الصابون الطبيعي، وحرفيون في صناعة الفخار والحياكة، وصنّاع الحصيرة، وصناعة وبيع الفحم، كل هؤلاء كانوا يجتمعون في حي واحد بالدويرات، ولم يكن في الحي أي نوع من التجارة ما عدا نشاط الحرفيين والصناع، وهي ميزة تقترب فيها من حي القصبة، الذي كان مقسما إلى أحياء حسب الحرف، مشيرا بالمناسبة، إلى أن سكان حي الدويرات كانوا حرفيين ولم يكونوا تجارا؛ حيث كانت المحلات باستثناء تلك التي تبيع خبز الحومة، كلها لحرفيين يصنعون مختلف الحرف التقليدية التي ميزت ولاية البليدة، خاصة ما تعلق منها بتقطير الزهور والورد. مطالب برفع التجميد عن المخطط الدائم لحماية الدويرات أكد مدير الثقافة لولاية البليدة حاج مسحوب في تصريحه ل«المساء"، أن حي الدويرات لم يعد كما كان عليه في ما مضى؛ بسبب تغير عمرانه، الذي يُعد من البنايات العصرية التي لا تتطلب الحماية، وبالتالي فإن مديرية الثقافة من أجل حماية ما تبقّى من حي الدويرات القديم، اقترحت مشروع مخطط دائم لحماية البنايات القديمة، سبق أن عُرض على وزارة الثقافة، التي أبدت بعض التحفظات حوله. ويردف المتحدث: "بعدما تم الاطلاع على التحفظات ورفعها وإعادة طرح مشروع المخطط الدائم لحماية المدن القديمة على اللجنة الوطنية، فإن الإشكال تمثل في تجميد مخطط حماية المدنية القديمة على مستوى الولاية"، مطالبا بالمناسبة، برفع التجميد عن المشروع، وموضحا أن "حي الدويرات لم يبق فيه إلا بعض الدويرات، التي تحتاج إلى الحماية، كتراث يمثل تاريخ الولاية، وبالتالي فإن منع أي اعتداء أو تحويل لهذه الدويرات، يتطلب وجود أرضية قانونية تراهن عليها مديرية الثقافة بعدما يتم رفع التجميد عن مشروع حماية المدينة القديمة بالبليدة". ومن جهة أخرى، أكد المتحدث أن قطاع الثقافة على مستوى ولاية البليدة لا يحظى باهتمام السلطات المحلية، مضيفا: "من أجل هذا لايزال القطاع مهمشا"، لافتا إلى أنه سبق له في عهد الوالي السابق، أن عرض مشروع حفظ الأفلام"، مردفا: "كنا نعوّل على المشروع الذي يُعد فريدا من نوعه. وكان المطلوب من مصالح الولاية تأمين أرضية لتجسيد المشروع، غير أنه لم يتم حتى الرد على الطلب، الذي ظل حبرا على ورق، ولايزال المشروع مجرد فكرة، تنتظر من يرافقها لتقديم إضافة لقطاع الثقافة بولاية عريقة بحجم البليدة".