استضاف موعد "أربعاء الكلمة" بمدياتيك "عبان رمضان" في العاصمة، نهاية الأسبوع، الكاتب عبد الحميد مشكوري لتقديم روايته "ابن الجنية" في جزأيها الأوّل والثاني. وهي رواية تموج بالأحداث والقيم المتينة في الذاكرة الشعبية. كما قدّم الضيف القادم من عاصمة الزيبان، باقة من بعض أشعاره. شدّ الكاتب مشكوري الحضور لحكاية "ابن الجنية" ، التي قال إنّ فيها بعضا من الحقيقة والواقع، وجانبا آخر نسجه هو من خصب خياله، تضمّنه الجزء الثاني من الرواية، التي كان لها صداها عند القرّاء، وفي الوسط الأكاديمي (قُدّمت في ثلاث رسائل ماستر جامعية). بين الحقيقة والخرافة تحكي الرواية الصادرة عن دار "ساجد" للنشر والتوزيع، عالما عجائبيا يلامس بعضا من الواقع، يتمثّل في بعض الشخصيات من عرش بني عبدان كشخصية التاجر المتجوّل طيبوش، والمشعوذ، وشخصية القايد والوقاف، كانت كلّها موجودة في الوسط الاجتماعي في ذلك الزمن، ومنها، طبعا، ما هو خيالي وخرافي؛ كالجنّ، والصالحين المخفيين. تلك الشخصيات من الموروث الثقافي عاشت بهذه المنطقة ببسكرة خلال الاحتلال الفرنسي، الذي زرع البؤس عند الجزائريين. وتبدأ القصة حسب الكاتب عام 1889، وتنتهي ما بعد الحرب العالمية الأولى. والبطل هو مسعود، فحين كان جنينا في بطن أمه التقت هذه الأخيرة بجنية في الوادي كانت حاملا أيضا. وعندما أدركت أم مسعود أنّ الضفدعة هي امرأة جنية حامل سمعت الجنية تقول: "على الأولى منا التي يأتيها المخاض أن تسرع إليها الثانية وتقوم بتوليدها" ، وهو ما كان؛ إذ أشرفت الجنية على توليد أم مسعود، والأخيرة بدورها ولّدت الجنية، التي أنجبت هدى، ليكبر الطفلان كلّ في حاله، ثم يتزوجا، وينجبا ثمانية أبناء. وعندما أصبح مسعود شابا وجد نفسه ضحية التجنيد الإجباري، ليلتحق بجبهة القتال ضدّ ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى. وعند عودته إلى مسقط رأسه تحدُث له بعض الغرائب، ويكتشف كنوزا تحت أرض قبيلته، فيحاول حمايتها. لكن المشعوذ يطارده، وينتقم منه، ويتسبّب في جنونه، وتعذيبه، ثم قتله؛ ما يدفع أبناء العرش إلى نبذ مسعود، وإطلاق اسم "ابن الجنية" عليه. وقال الكاتب إنّ هذه القصة ظلّت محفوظة في المنطقة. وتُروى للأجيال. وتُعد حقيقة ثابتة لا نقاش فيها؛ على اعتبار أنّ الثقافة الشعبية كانت تؤمن بهذه العوالم الخفية، وتلامسها في يومياتها. وفي الجزء الثاني من الرواية أراد الكاتب الانتقام لمسعود من خلال زوجته ابنة الجنية، التي تحرّض أبناءها الثمانية على المشعوذ قاتل أبيهم، فينتقمون منه، ويقتلونه، وهو ما جعل الكاتب يقول إنّ عرش بني عبدان هجر وانسحب من الجبال إلى الصحراء، ولم يعودوا، إلى اليوم، لمضاربهم الأولى. وقال الكاتب خلال هذه الندوة الممتعة إنّه استعان بالمتخيّل الأدبي، وحاول أن ينقل هذه الثقافة الشعبية القديمة لأجيال اليوم التي قد لا تؤمن بها، وتعدّها مجرّد خرافة، في حين كانت أصيلة عند الأجداد. كما ترتبط هذه الثقافة، حسبه، ببعض الممارسات والتداوي بالأعشاب والبخور، وغيرها من الصور السائدة في ذلك الحين، مؤكّدا في سياق حديثه: "قابلت بعض القرّاء الذين أكّدوا أنّ من المستحيل أن يشرع الواحد منهم في القصة ولا ينهيها في نفس اليوم رغم انشغالاته" . كما تمنى أن تُحوَّل الرواية إلى مشروع فيلم. وقال إنّ تراثنا الشعبي لم يُستغل بعدُ رغم غناه، في حين أنّنا نستورد تراث غيرنا! . الشعر تجربة إبداعية أخرى توقّف الضيف، أيضا، عند تجربته الشعرية التي بدأت مبكرا نتيجة قراءاته لبعض الشعراء كدرويش، ونازك الملائكة، وفدوى طوقان، معبّرا عن ميوله لشعر التفعيلة الذي أغواه برمزيته، وصوره المعبّرة، فانتهج نهجه. كما قال إنّه كتب الشعر بالأمازيغية (الشاوية)، لينتقل من الغزل إلى مواضيع شتى في الوطنية، والأمومة والطفل، والمعلّم (مارس التدريس)، ليُصدر عددا من الدواوين؛ منها "نزيف البعبع" ، و"صرخة تحت جحيم الكوفيد" ، وكذا "جماجم الشهداء" ، و"ملحمة الجزائر" ، و«شهداء الواجب" وغيرها. ثم ازداد إنتاجه الشعري،كما أوضح، بعد رحيل والدته. وكان لتجربة الحياة والنضج بصمتها على قوافيه التي طبعها بعض اللمسة السيريالية.