تشهد ولاية ورقلة، خلال شهر رمضان، أجواء روحانية مميزة، بتوافد كبير لجموع المصلين يوميا إلى المساجد من مختلف الفئات العمرية، في صورة تعكس قوة ارتباط المجتمع المحلي بالشعائر الدينية، وتمسكه بالعادات الرمضانية الراسخة. فمباشرة بعد الإفطار، تسجل مساجد الأحياء بوسط مدينة ورقلة، ومختلف البلديات، توافدا كبيرا للمصلين محملين بسجاداتهم، بعضهم يمسك بيد طفله الصغير الذي يركض بحماس نحو الصفوف، لتصبح أجواء التراويح لوحة حية تجمع بين الروحانية والدفء العائلي، وسط همسات الدعاء ورائحة المسك التي تعبق المكان.وتمتلئ المساجد بالمصلين كبارا وصغارا، بينما يتردد صدى التلاوات القرآنية في أجواء روحانية، تعزز الطمأنينة في النفوس بعد يوم من الصيام. وفي هذا الإطار، قال الإمام حسين بن هجيرة، بمسجد الهدى في حي الشرفة، بأن شهر رمضان يشكل فترة مميزة، تنشط فيها المساجد بشكل لافت، حيث تعرف إقبالا واسعا على صلاة التراويح وحلقات الدروس الدينية، لاسيما من فئة الشباب والأطفال، مشيرا إلى أن هذا الحضور المكثف، يعكس تنامي الوعي الديني وحرص أفراد المجتمع على اغتنام ليالي الشهر الفضيل في الطاعة والعبادة. كما تنظم العديد من المساجد بولاية ورقلة، دروسا دينية يومية قبل صلاتي العصر والعشاء، تتناول مواضيع الأخلاق وقيم التسامح والتكافل، إلى جانب دروس توعوية حول الصحة والصيام، تقدم بأسلوب مبسط يناسب مختلف الفئات، ما يساهم في نشر الثقافة الدينية وتعزيز السلوك الإيجابي داخل المجتمع. وعن صلاة التراويح، يقول الشيخ محمد الصالح بوعافية، بأنها من أعظم الشعائر التي تحيي ليالي رمضان وتمنحها بعدها الروحي العميق، باعتبارها محطة يومية لتجديد الصلة بالقرآن، وترسيخ قيم الخشوع والانضباط في نفوس المصلين. وأضاف أن الإقبال المتزايد على صلاة التراويح في المساجد، يعكس وعيا دينيا متناميا لدى المجتمع، خاصة فئة الشباب والأطفال، حيث تتحول المساجد إلى فضاءات جامعة بين العبادة والتربية والتوجيه الروحي خلال الشهر الفضيل. ومن أبرز مظاهر الأجواء الروحانية أيضا، حلقات تلاوة القرآن الكريم، التي تنتشر بالمساجد، حيث يجتمع الأطفال والتلاميذ في حلقات تحفيظ، يشرف عليها أئمة ومقرئون في صورة تربوية، تعزز ارتباط الناشئة بالقرآن الكريم خلال الشهر الفضيل، وهو ما يجسده الطفل النوري (13 سنة) الذي دأب على الحضور إلى المسجد مع والده، للمشاركة في حلقة تلاوة القرآن. من جهتهم، أعرب عدد من المصلين بمسجد "السلام" في حي 460 مسكن، بوسط المدينة، عن تعلقهم الشديد بأجواء المساجد خلال رمضان، حيث يقول أحدهم، إن ليالي رمضان في ورقلة لها طابع خاص، لأن المساجد تكون مملوءة بالمصلين، والتلاوة الخاشعة تمنح راحة نفسية كبيرة وتزيد من روحانية هذا الشهر. أنشطة تضامنية متنوعة تعكس روح التكافل الاجتماعي لا تقتصر حركية المساجد على الجانب التعبدي فقط، بل تمتد لتشمل أنشطة تضامنية، حيث تنظم مبادرات إفطار جماعي لفائدة عابري السبيل والمحتاجين، إلى جانب حملات جمع التبرعات والعمل الخيري، ما يعكس روح التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع الورقلي في رمضان شهر الخير. كما تزداد الأجواء الروحانية عمقا خلال العشر الأواخر من رمضان، حيث يكثر الإقبال على قيام الليل والاعتكاف، وتظل المساجد مفتوحة لاستقبال المصلين الراغبين في إحياء هذه الليالي المباركة، وسط أجواء يسودها الهدوء والخشوع. من جهة أخرى، يرى مختصون في الشأن الديني، أن هذه الأجواء الإيمانية تساهم في تعزيز القيم الروحية والاجتماعية داخل المجتمع، من خلال ترسيخ معاني التضامن والتسامح والانضباط، خاصة لدى فئة الشباب والأطفال. وتبقى مساجد ولاية ورقلة، خلال شهر رمضان، منارات إشعاع ديني وروحي، تجتمع فيها العبادة والعلم والتضامن، في صورة تعكس خصوصية الشهر الفضيل ومكانته العميقة في وجدان سكان المنطقة، حيث تتحول لياليه إلى لحظات إيمانية مفعمة بالسكينة والتقرب إلى الله.