يحل العيد كل سنة حاملا معه أجواء الفرح واللقاءات العائلية التي ينتظرها الناس بشوق وحماس. ففي هذه المناسبة تمتلئ البيوت بالحركة، وتعلو أصوات التهاني. وتتحول الشوارع والأسواق إلى فضاءات تعكس حالة عامة من البهجة، إذ يظل العيد في المجتمعات المسلمة، لحظة خاصة ترتبط بذكريات الطفولة، والملابس الجديدة، وروائح الأطعمة التقليدية، ولمّة العائلة. غير أن هذه الصورة المليئة بالفرح لا تعني أن الجميع يعيشون العيد بالطريقة نفسها؛ فهناك فئات اجتماعية قد تمر عليها هذه المناسبة بهدوء أكبر، وبمشاعر مختلفة عن باقي الناس. ومن بين هذه الفئات التي تعيش عكس موجة فرحة العيد يبرز كبار السن الذين يعيشون المناسبة غالبا بمزيج من الفرح، والحنين، والحزن. فبالنسبة للكثيرين لا يمثل العيد مجرد يوم احتفال، بل مناسبة تستحضر سنوات طويلة من الذكريات، يتذكرون أعيادا كانت البيوت فيها تعج بالأبناء والأقارب، وكانت الزيارات تبدأ منذ الصباح وتستمر إلى المساء. ويستحضرون أجواء في أحياء كانت العلاقات فيها أكثر دفءاً، حيث كان الجيران يتبادلون التهاني والزيارات بشكل طبيعي. لكن مع تغير نمط الحياة في السنوات الأخيرة وانتقال الأبناء إلى مدن أخرى أو انشغالهم بظروف العمل أو حتى مسنين لا أزواج ولا أبناء لهم، أصبحت أجواء العيد مختلفة بالنسبة لهؤلاء، يزيدهم العيد شعورا بالوحدة والعزلة، خاصة أولئك الذين يعيشون بمفردهم بعيدا عن عائلاتهم. وفي هذا الصدد تحدّث موسى بن كريم، مختص في علم الاجتماع الأسري، إلى "المساء"، موضحا أن العيد يحمل قيمة عاطفية كبيرة لدى كبار السن، مشيرا الى أن هذه الفئة تربط العيد بذكريات طويلة من حياتها، لذلك فإن هذه المناسبة تثير لديهم مشاعر خاصة، بعضها جميل، وبعضها يحمل قدرا من الحنين إلى الماضي، يُشعرهم تارة بالحزن، وتارة بالتيه؛ فقد يكون مؤلما إذا تغيرت الأجواء تماما واختلفت عما كانت عليه. وأضاف أن المسن غالبا ما يقارن بين أعياد من ماضيه وأعياد اليوم حين كانت العائلات تقضي وقتا أطول مع بعضها البعض. وكانت الزيارات واللقاءات أكثر حضوراً في الحياة اليومية. وأضاف: " قديما، كان كبار البيت يساهمون في جمع كل أفراد العائلة الواحدة، خصوصا ربة البيت، وهذا ما يلاحَظ في مجتمعنا. وغيابها يمكن أن يؤدي الى غياب الأطفال عن البيت الكبير، وهذا ما يؤدي الى فقدان جزء من روح المنزل، يشعر به كبير السن في كل مناسبة أو أعياد كعيد الفطر المبارك". وأشار المختص الى أن تغير نمط الحياة في المجتمعات الحديثة أثر بشكل واضح على طبيعة العلاقات الاجتماعية، حتى بين أكثرها قدسية؛ كعلاقة الآباء مع الأبناء. وأصبح يلتمس نوعا من الأنانية في الأسر الحديثة، وفق تأكيد الخبير، إذ " أصبح البعض لا يأبه بحالة آبائهم النفسية. ولا يبحثون عن كسر حصار العزلة عن كبار السن، بل تجد البعض تفصلهم آلاف الكيلومترات، يعيشون في دول مختلفة، يكتفون بمكالمة هاتفية صباح العيد، في حين يعيش آخرون واقعا مرغما، وعكس رغباتهم؛ فمن الأبناء من يعملون في مدن بعيدة، أو لديهم التزامات تجعل زياراتهم أقل تكراراً "، وهو ما قد يجعل، حسب المختص، بعض كبار السن يشعرون بنوع من الوحدة والحزن، خاصة خلال المناسبات الاجتماعية مثل الأعياد، في حين يتحدث الجميع عن الفرح واللقاءات العائلية في ذلك اليوم، ليكتفي هؤلاء بقضاء العيد وحيدين داخل بيوتهم بكل هدوء. وبالمقابل، يقول الخبير إن كثيرا من كبار السن يعيشون لحظات جميلة خلال العيد عندما يلتقون بأبنائهم وأحفادهم، وذلك يساعد نفسيتهم، ويقوي مناعتهم، فوجود الأطفال في البيت يخلق أجواء خاصة، تعيد للمسنين شيئا من ذكريات الماضي، وغالبا ما يستمتع كبار السن برؤية الأحفاد وهم يلبسون ملابس العيد، أو يلعبون في البيت؛ لأن هذه المشاهد تعيد إليهم صورا من ماضيهم، وتسعدهم، وتمنحهم أجواء من الروح العائلية. وأشار المختص إلى أن التواصل المباشر مع كبار السن له تأثير كبير على حالتهم النفسية؛ فالزيارة البسيطة أو الجلوس لبعض الوقت معهم قد يكون له تأثير إيجابي كبير حتى وإن بدا الأمر بسيطا في نظر الآخرين، إلا أن المسن يحتاج في كثير من الأحيان، إلى الشعور بأنه مازال جزءا مهمّا من العائلة، ومن المجتمع، وأن وجوده محل تقدير، واهتمام. وفي الأخير، أكد المختص أن المجتمع يمكن أن يلعب دورا أكبر في الاهتمام بهذه الفئة، خاصة في فترات الأعياد. فبعض المبادرات التي يقوم بها الشباب أو الجمعيات مثل زيارة كبار السن أو تنظيم أنشطة اجتماعية لهم، يمكن أن تساعد على كسر شعور العزلة الذي قد يعيشه البعض. كما إن إشراك المسنين في المناسبات العائلية والأنشطة الاجتماعية، يمنحهم فرصة البقاء على اتصال بالحياة اليومية للمجتمع، ويعزز نفسيتهم، ويرفع من مناعتهم، وبالتالي من وضعيتهم الصحية عامة.