في بلدية بوهارون الساحلية الهادئة الواقعة على بعد حوالي 50 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية حيث تلتقي رائحة اليود مع همسات الأمواج، تقف امرأة في عقدها السادس، أمام مقلاة ساخنة. هذه المرأة هي كريمة دايخي، التي لم تكتف بأن تكون أول امرأة جزائرية تمتهن الصيد البحري، بل أضافت إلى ذلك لمسة سحرية، جعلتها تطبخ البحر، وتقدمه للأهالي والزوار على حد سواء. تحكي كريمة دايخي في جلستها مع "المساء"، أن الطريق إلى قلب البحر لم يكن مفروشا بالورود بالنسبة لها. ففي عام 1994 وخلال العشرية السوداء التي عصفت بالجزائر، اختطف القدر زوجها الذي كان يعمل صيادا؛ في حادثة مأساوية أمام عينيها، تاركاً لها أربعة أطفال، لتقوم بإعالتهم وحدها. واجهت كريمة المجتمع والعادات التي كانت تحصر مهنة الصيد في الرجال فقط، فاتجهت، في البداية، إلى الخياطة، وصنع الحلويات، لكن طموحها كان أكبر من ذلك. وتضيف كريمة أنها كانت تملك زورق زوجها، ولكنها كانت تفتقر إلى الخبرة. وهنا اتخذت قرارا قلب الموازين بالالتحاق بمدرسة التكوين التقني في الصيد البحري وتربية المائيات بشرشال، فكان المشهد صادما للجميع؛ فهي المرأة الوحيدة بين 120 رجل في نفس الدفعة عام 2007. لم يقتصر دورها على النجاح، بل تخرجت بشهادة بتفوّق، لتحصل بعدها في عام 2010، على سجل تجاري، ورخصة لاستعمال زورق الصيد. المرأة الوحيدة في الميناء في الميناء فرضت كريمة نفسها بقوة، فلم تكتف بقيادة السفينة، بل أتقنت كل التفاصيل الدقيقة للمهنة، حتى تلك التي تُعد "حكرا" على الرجال، مثل خياطة شباك الصيد التي تتطلب مهارة ودقة عاليتين؛ تقول كريمة بكل فخر: "كان عليّ أن أجاهد، وأفرض نفسي. الرجال هنا هم من يوردون لي السمك، لذلك لا بد أن أكون موجودة في الميناء حيث لا توجد نساء". هي أم لأربعة أبناء، لكن كل من عرفها يلقبها ب "امرأة ب100 راجل"، فهي تمتهن مهنة الصيد الشاقة، وتنزل إلى عرض البحر منذ الليل، وتواجه الأمواج العاتية. ورغم حبها للبحر لم تنس كريمة تلك الليلة الشتوية المرعبة التي كادت تودي بحياتها هي وابنيها، عندما هاج البحر فجأة، لتصبح بعدها أكثر حذراً، مفضلة الصيد في النهار. عندما يصبح الميناء مطبخا مع تراجع الثروة السمكية في المنطقة وبعد سنوات طويلة من الصيد، وجدت كريمة ضالتها في موهبة أخرى كانت تمتلكها، وهي الطبخ، فلم يكن التحول من الصيد إلى الطبخ صعباً، فهي تعرف أسرار البحر، وتعلم أي سمكة تصلح للشيّ، وأيها تصلح للطواجن، والحساء. افتتحت كريمة مطعما صغيرا أو بالأحرى "كشكا" بسيطا على جانب الطريق في ميناء بوهارون، حيث حولت ما تصطاده إلى تحف فنية. وهي تشتهر، بشكل خاص، بطبق "البريك" بالسمك. وهو عجة مقلية محشوة بالبقدونس والتونة أو السمك المفروم، بالإضافة إلى حساء السمك الساخن، الذي أصبح عنواناً لمكانها. وتستيقظ كريمة يوميا لتنتقي أفضل ما لديها من صيد، وتطهوه على طريقة أهل الساحل، بطعم يجمع بين نضارة البحرو ونار الحطب. وقد أصبح مطعمها مقصدا للسياح في الصيف والسكان المحليين على مدار السنة. وفي شهر رمضان ورغم أن المطعم الذي تشتغل فيه يغلق أبوابه، لا تتخلى الشاف كريمة عن زبائنها؛ حيث تقوم بنصب طاولة بمدخل ميناء بوهارون، وتعرض قدرين من حساء السمك والجمبري، إضافة الى بعض الأطباق المحضرة من مختلف أنواع السمك، ناهيك عن سلاطة السمك، التي أصبحت مطلوبة من الزبائن في هذا الشهر الكريم. وتبقى كريمة دايخي مثالا للمرأة الجزائرية التي تصنع الاستثناء في كل مرة بتحدياتها للواقع المعيش، ودخول عالم ومجال بقي حكرا على الرجال لسنوات طيلة ومحرما عليها؛ بحكم العرف والتقاليد التي تحكم المجتمع الجزائري. أيقونة تحدٍّ وصمود كريمة دايخي لم تصبح مجرد صيادة أو طباخة، بل أصبحت أيقونة للمرأة الجزائرية المكافحة، فهي نموذج حي على أن الإرادة يمكنها كسر أقسى القيود الاجتماعية. في قرية كان من الصعب فيها تخيل امرأة تقود مركباً أو تخيط شباكا، أصبحت كريمة مصدر فخر وإلهام. هي اليوم تبيع السمك، وتقدم الأكلات التي يأتي الزبائن خصيصا من أجلها، وهي تبتسم لتاريخها الذي يروي قصة تحدٍّ استثنائي. تقف كريمة الآن في مطبخها المطل على الميناء، حيث كان زوجها يرسو منذ عقود. هي لم تكتف بأن تحافظ على مهنته، بل أضافت إليها روحها، فصار اسمها عنوانا للصيد والطبخ في تيبازة. وصارت قصتها أشهر من رائحة البحر في كل الجزائر.