نظمت الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، بالتعاون مع الجمعية الثقافية "الجاحظية"، ومشاركة مخابر البحث، إشكالية البحث العلمي والجماليات، أول أمس، ندوة فكرية بعنوان "في العلاقة بين جمالية العمارة وثقافة المجتمع"، نشطها المهندسان محمد العربي مرحوم وعمر جبار، وقد تجاوزت بأسئلتها وتحليلاتها، الجوانب التقنية، إلى طرح مشروع عمراني ذي خصوصية ثقافية وهوياتية، مع مراعاة جانب التمدن الذي يتجاوز الفرد إلى المجتمع. تناولت الندوة مدى ارتباط العمران بالهوية والإنسان، وقد اجتهد المهندس المعماري عمار جبار، في الحديث عن ذلك الارتباط بين العمارة والخصوصية الثقافية والاجتماعية، معتبرا أن المدينة والحي جزء من هوية الإنسان وذاكرته، فبالنسبة إليه مثلا، فهو ابن حي طرابلس بحسين داي، المقابل للبحر، نشأ في حضن عائلته وبين أصدقائه ورفقائه في هذا الفضاء المشترك، الذي يتجاوز سقف البيت إلى محيط أوسع، يشترك فيه الجميع، وتتعزز فيه يوميات الحياة وتعاقب الأيام وتتشابك فيه العلاقات الاجتماعية أساس كل مجتمع، وبالتالي تغيير بعض معالم الحي الأساسية المعروفة، هو مساس بالذاكرة، لذلك لم ير أنه من المعقول إنجاز ناطحات سحاب بين شارع طرابلس والواجهة البحرية، فذلك يحجب المدينة عن بعدها البحري وهكذا. أثناء اللقاء، فضل المتحدث، أن يتابع الحضور مداخلة الأستاذ مرحوم، واصفا إياه بالمهندس الفيلسوف وصاحب كتاب مهم، هو "دردشة عاصمية"، كما نال الكثير من الجوائز والتكريمات. قدم بعدها المهندس المعماري الأستاذ محمد العربي مرحوم، مداخلته المطولة، استهلها بعرض تقني على الشاشة، ليوضح فيها خصوصية البناء وارتباطه بمحيطه الاجتماعي والثقافي. تجاوز المتحدث الجانب التقني والتصميمات المختلفة، إلى طرح أسئلة عميقة، تؤسس لعمران جزائري نهضوي. ربط المتدخل بين المواطنة والعمران، فمثلا إنجاز المدن عليه أن يراعي تلك العلاقات الاجتماعية، فالعمارة تؤثر في الشعور بالانتماء، وفي طريقة العيش المشترك، بل وفي الإحساس بالكرامة والراحة النفسية. أكد المتحدث، أن للعمران أبعاده الحضارية، وهي البعد الاقتصادي حين تحدد المدينة فرص العمل والاستثمار وجودة العيش، ثم البعد الثقافي، حيث يحفظ العمران الذاكرة الجماعية ويجسد الهوية الوطنية ومنظومة القيم المشتركة والأصالة والمعاصرة، كذلك البعد السياسي، لأن الفضاءات العمومية تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، متوقفا بالمناسبة، عند الشرعية السياسية. هناك أيضا البعد الاجتماعي، حيث تتشكل أنماط التعايش والتواصل بين الأفراد، وكذا البعد النفسي، حيث يؤثر شكل المدينة في الإحساس بالأمان والجمال والانتماء. تمت الإشارة أيضا، إلى أن مشاريع العمران ليست مجرد بناءات، بل هي مشاريع مجتمعية، بالتالي اقتراح تصاميم ذات قيمة مجتمعية، عوض التقيد بأنماط بالية مستوردة، تجعل من البنايات مجرد مراقد. تحدث المحاضر عن عقبة الإدارة في بلادنا، وعن بعض القوانين التنظيمية، وكذا عن فوضى العمران التي أكلت الأخضر واليابس، وغيرها من الأمور الموجودة على أرض الواقع المعاش. أخذ النقاش حصة الأسد في الندوة، حضره جمهور نخبوي، قدم تدخلاته وتساؤلاته، أجاب عنها الأستاذ مرحوم، هذا الأخير الذي أكد أن الجزائر بعد الاستقلال وحتى السبعينيات، كان البناء فيها كتحد وانتصار، لكنه ظل مرتبطا بالفرد على حساب الجماعة، كما غابت فيه ثقافة المشاركة، فكل الأعباء ظلت على عاتق الدولة، كما غابت الضرائب التي من شأنها كما كل الدول المساهمة في تحسين السكن والمحيط وكل الخدمات، علما أن السكن في الجزائر لا يساوي قيمته الحقيقية. وتناول قضية "الاختلاط الاجتماعي" بين الشرائح، والذي يضمن الاستقرار الاجتماعي، متوقفا عند السكن الوظيفي الذي حقق التلاحم بين كل شرائح المجتمع، زد على ذلك، فإن السكن ظل مغيبا في الديناميكية الاقتصادية يلتهم أكثر مما يعطي. سألت "المساء" الخبير مرحوم عن الجانب الجمالي في العمران، الذي يكلف الكثير، وبالتالي فإن أعباءه ترفع من سعر التكلفة، خاصة في زمن العولمة، حيث الرواج للسكن البسيط وسريع الإنجاز، فرد قائلا "لا أتصور نفسي أخطط بناء بمواصفات هندسية تشبه مواصفات بنايات القرن 19، لكن من الممكن الالتزام ببعض المواصفات التي تحدد خصوصيات هويتنا، ولو في بنايات كبرى، منها مستشفى مثلا، بطراز معماري إسلامي".