سلّط باحثون ومختصون الضوء، في ملتقى وطني علمي نظمته كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة 8 ماي 1945 بقالمة، على الواقع الحضري، والمشكلات الاجتماعية في الجزائر، والرهانات الاجتماعية للمستقبل. ناقش أكاديميون وأساتذة من مختلف جامعات الوطن والمعاهد في هذا الملتقى الموسوم ب "المدينة والتحولات الاجتماعية بالجزائر" (مقاربات سوسيولوجية حضرية جديدة)، التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها المدينة الجديدة المعاصرة، مع تقديم حلول علمية نحو تنمية حضرية عائلية وإنسانية. وأكدت رئيسة الملتقى الأستاذة العيد شريفة من جامعة قالمة، أن التفكير في هذا الموضوع، جاء بعد مشاورات أكاديمية علمية عديدة مع مختصين وباحثين في المجال، نظرا لما آلت إليه وضعية المدينة في الآونة الأخيرة، والتي أصبحت متشعّبة بكل ظواهرها الاجتماعية، حيث أفرزت العديد من المشكلات؛ كالبطالة، والفقر الحضاري، والجريمة، والبيئة... وغيرها. وأوضحت المتحدثة أن الملتقى يهدف إلى معالجة إحصائية دقيقة من قبل مختصين وباحثين في المجال، لتوضيح الرؤية الدقيقة، ومعالجتها المشكلات التي تعاني منها المدينة. وقدّم الدكتور يخلف سهيل من جامعة 8 ماي 1945 بقالمة، ورقة بحثية، تحدّث فيها بإسهاب، عن الهيكل الديمغرافي، والتحول السكاني في الجزائر. وقال إن "كل المدن الكبرى في بلادنا تشهد ذروة في الفئة العمرية من 20 إلى 60 سنة. وهي الكتلة التي تعتمد عليها الدولة في بناء قاعدة اقتصادية صلبة من خلال التشغيل، وهيكلة الشباب في التخصصات، وضبط معدلات التشغيل، والرفع من نسبها" . وأوضح يخلف أن الجزائر سجلت من 2010 إلى 2026، طفرة في النمو الديمغرافي، إذ تشير مؤشرات منظمة الصحة العالمية إلى تباطؤ تدريجي في معدلات الخصوبة داخل الوسط الحضري، أقل من 2.4 في كل امرأة نتيجة تأخر سن الزواج، وكلفة المعيشة الحضرية. وبخصوص ظاهرة الهجرة الداخلية قال: "إن النزوح استمر من مناطق الهضاب العليا والجنوب نحو الحواضر الشمالية بحثا عن العمل؛ ما أدى إلى ظهور الأحياء الهامشية (الظل) التي تعاني من نقص التهيئة والترييف الحضري، خاصة في سطيف ووهران... وغيرها، حيث ينقل مهاجرون جدد أنماطا سلوكية ريفية إلى قلب المدينة، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي، وتكوين مساحات هجينة بين المدينة والريف"، مضيفا أن التحولات في البنية الأسرية الممتدة إلى النووية إلى الأحادية، هي محرك أساسي لأزمة السكن. كما أدت الأنماط النووية - حسبه - إلى تغيير الحركية الاجتماعية مع زيادة الاستهلاك الفردي، وكذا الاعتماد على الخدمات الخارجية؛ مثل الإطعام السريع، والحضانة، والمدارس الخصوصية، ما خلّف اقتصادا حضريا خدميا جديدا. وبخصوص التحديات "السوسيو-اقتصادية" بين البطالة والحرقة وسوق العمل، أكد يخلف أنه رغم رفع منحة البطالة من 18 ألف دينار الى 24 ألف دينار إلا أن الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق تظل عائقا، مشيرا إلى أن الهجرة غير الشرعية لا تُفهم كفعل اقتصادي فحسب، بل كظاهرة سوسيولوجية حضرية. وحول الرؤية المستقبلية أكد أنها تكمن في التحوّل الرقمي؛ من رقمنة الإدارة والخدمات، كما حدث في الجزائر العاصمة التي بدأت تساهم في تقليل الضغط عن النسيج العمراني، والعمل عن بعد، والتجارة الإلكترونية، حيث عدَّها حلولا جديدة، من شأنها التقليل من الأعباء. وتطرقت الدكتورة تمرسيت فتيحة من جامعة الجزائر 2 في مداخلتها، لفعالية التخطيط الحضري في القضاء على العقار الجامد؛ باعتباره سكنات وأراضي بيضاء غير مستغلة، تؤدي إلى مشكلات النسيج الحضري، وتشويه جمالية المدينة، والتسبب في ندرة المساكن، ما يؤدي إلى أزمة السكن، وظهور نزاعات عقارية، وشغور أماكن داخل المدينة. وفي هذا الصدد، اقترحت تمرسيت مجموعة من الحلول، تتمثل في وضع ضريبة على العقار الجامد؛ من أجل استغلاله، أو بيعه، أو تحويله إلى مساكن، أو إلى الاستثمار الاقتصادي. كذلك حل نزاعات الميراث، وتفعيل سياسة التخطيط الحضري للقضاء على العقار الجامد بصفة نهائية. كما تطرق الدكتور حملاوي حميد من جامعة قالمة، للعمران، وهو الجانب المادي للمدينة، وعلاقته بالجانب القيمي. وقال: " إن القيم تتأثر بفعل ما يظهر في المدينة من تحوّلات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية وترفيهية"، مشيرا في حديثه إلى التغيّرات المرتبطة بثورات الجزائر الاقتصادية، والثقافية، والزراعية، والصناعات الثقيلة التي أثّرت على الهوامش الحضرية، والتي أصبحت عبارة عن مدن، ومن ثمّة أصبحت لها قيم. ومن جهته، حاول الدكتور بوخدوني توفيق من جامعة "محمد الصديق بن يحي" بجيجل في ورقته البحثية، إبراز التحوّلات الثقافية والاجتماعية، وصراع القيم في الوسط الحضري الجزائري، من خلال فهم طبيعة هذا الصراع، الذي يظهر نتيجة التغيّرات الاقتصادية، والعمرانية، والتعليمية، وتأثير الحداثة على العادات والتقاليد المجتمعية.