عاد معرض الزهور ليضرب موعدًا متجددًا مع عشّاق الطبيعة ومحبي الورود، ليرسم أبهى لوحة فنية تجلّت فيها كل ألوان الطبيعة، وسط حضور غفير من الزوار من أبناء البليدة ومن خارجها، الذين أبوا إلا أن يكونوا في الموعد لمشاركة "مدينة الورود" إعلانها عن افتتاح تظاهرة الربيع البليدي، التي تُعد فرصة لبعث تقليد "حرب الورود" ، الذي شكّل حلقة هامة في تاريخ المدينة. احتضنت ساحة الحرية (باب السبت) بقلب ولاية البليدة، أزيد من 40 مشتلة و30 عارضًا وحرفيًا على مستوى شارع العيشي عبد الله ببليدة البليدة، قدِموا من مختلف بلديات الولاية؛ لعرض ما تجود به البليدة من ورود ونباتات للزينة، تنوّعت بين النباتات الداخلية والخارجية؛ العطرية، والمزهرة والمتسلقة، إلى جانب الأشجار المثمرة، خاصة الليمون والتشوينة؛ بهدف التعريف بما تزخر به الولاية من تنوّع نباتي، خاصة في مجال نباتات الزينة والنباتات العطرية، وترسيخ فكرة أن البليدة كانت ولاتزال "مدينة الورود" بامتياز. وحسب المنظمين، فإن المساعي متواصلة للارتقاء بهذا المعرض، وتحويله إلى تظاهرة وطنية على شاكلة يوم وطني تحتفل به الجزائر سنويًا يكون لعيد الورود، حيث يمتد المعرض على مدار شهر كامل، ليمنح الفرصة للراغبين في اقتناء مختلف أنواع النباتات. قافلة الورود تجوب الشوارع وسط فرحة كبيرة للسكان انطلقت التظاهرة بحضور السلطات المحلية يتقدمها والي البليدة، الذي أعطى إشارة انطلاق قافلة تضم سيارات قديمة تزيّنت بالورود رافقتها فرق خيّالة انطلاقًا من ساحة الحرية، مرورًا بشارع العربي التبسي، قبل أن تعود مجددًا إلى الساحة، في جولة عبر شوارع المدينة، معلنة بداية الربيع البليدي، وإحياء هذا التقليد المتوارَث منذ الحقبة الاستعمارية. وخلال جولة ل«المساء" بين العارضين لوحظ إقبال كبير من الزوار منذ اليوم الأول، حيث سُجّل طلب معتبر على مختلف أنواع النباتات العطرية والمزهرة، سواء الداخلية أو الخارجية. غير أن اللافت، حسب بعض أصحاب المشاتل من العارضين، هو الحنين الكبير من المواطن البليدي إلى الأنواع التقليدية، مثل "المحمود"، و "الفل"، و "النسري"، و "الياسمين"، و "مسك الليل"، إضافة إلى "الحبق" و"النعناع". وفي هذا السياق، أكد العارض بلقاسم وزري أن ولاية البليدة تضرب كل سنة موعدًا مع الزهور لإحياء التراث المحلي، وتعريف الزوار بما يتوفر من نباتات الزينة والنباتات العطرية. ومن جهته، أوضح الطالب عبد السميع مداليشفون أن شغفه الكبير بالورود هو ما دفعه إلى الارتباط بهذا المجال رغم تخصصه في الإعلام والاتصال، حيث اختار العمل في مشتلة لاكتساب الخبرة. وأكد أن الطلب يختلف حسب أذواق الزبائن، بين من يفضل النباتات المزهرة كالجهنمية، ومن يميل إلى الأشجار المثمرة مثل البابايا والعنب والتوت، أو النباتات الداخلية الخاصة بسكان العمارات، مشيرًا إلى أن المعرض يوفر مختلف الأنواع بأسعار معقولة، وأن الزبائن يطرحون العديد من الأسئلة حول طرق العناية بالنباتات. ولفتت المشاركة النسوية الانتباه من خلال حضور المهندسة الفلاحية مريم بوقلقا، التي خاضت تجربة في عالم المشاتل منذ ثلاث سنوات، مؤكدة أن هذا النشاط رغم ما يتطلبه من جهد، يُعد باب رزق واعدًا، خاصة مع تزايد الوعي بأهمية النباتات في المنازل، مشيرة إلى أن حبها للنباتات كان الدافع الأول لدخول هذا المجال، الذي تراه "متنفسًا نفسيًّا" قبل أن يكون نشاطًا اقتصاديًا. كما أبرزت أن الربيع البليدي أصبح تظاهرة ينتظرها الجميع، ما يدفعهم إلى توفير مختلف الأنواع، خاصة التقليدية منها؛ مثل "القطيفة"، و "الحبق"، و "قطر الندى" و«القرنفل"، إلى جانب الأنواع الحديثة التي تلقى إقبالًا متزايدًا. ومن بين المشاركين سُجّل حضور الحرفي حمزة سعيدي، الذي يمثل إحدى أقدم الصناعات التقليدية في البليدة، وهي صناعة العطور من الورود، حيث يعمل على إعادة إحياء حرفة التقطير التي اشتهرت بها عائلته، موضحًا أن التظاهرة فرصة للترويج للعطور المستخلصة من ورود البليدة، والتي تشمل عطورًا للجسم، والملابس، والبخور، يتم إنتاجها بطرق تقليدية مطوّرة. وأشار إلى أن من بين العطور المستوحاة من طبيعة البليدة "ورود متيجة" و«نسمة الشريعة" ، وغيرهما من الروائح الحمضية، مؤكدًا أن الربيع البليدي يُعد مناسبة للتعريف بتراث المدينة في مجال استغلال الأزهار، وتحويلها إلى منتجات عطرية. وشهدت التظاهرة أيضًا حضور عدد من الفنانين من أبناء الولاية، الذين شاركوا في افتتاح هذا الحدث، مؤكدين ارتباط البليديين بالورود، حيث لا يخلو أي منزل من نباتات الزينة، خاصة الفل والياسمين. ومن جانبه، ثمّن الباحث في التراث يوسف أرواغي هذه التظاهرة. وقال إنها امتداد لتقليد تاريخي يعود إلى الحقبة الاستعمارية، حين كانت تُنظم احتفالية الورود التي تُختتم بما يُعرف ب«حرب الورود"، من خلال قافلة تجوب الشوارع، إلى جانب مسابقات لأجمل عربة مزيَّنة، لتنتهي بحفل موسيقي يعلن بداية عيد الربيع. وفي السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أن بعض الأنواع النباتية التي اشتهرت بها البليدة، مثل الياسمين، والفل، والنسري، ومسك الرومي، والياس، وسلطان الغابة، والسيسان، والميموزا والبنفسج، أصبحت قليلة، داعيًا إلى إعادة إحيائهاو والاهتمام بها من خلال الغرس والترويج، مؤكدًا أن البليدة لاتزال محافظة على عاداتها وتقاليدها.