لم تخف باريس حنقها من زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر، رغم الترحيب الدولي بهذا الحدث ذي الطابع الانساني والذي تزامن مع ظروف اقليمية معقدة. ولم تتخلف عن مواقفها التقليدية المعادية بحملاتها الإعلامية المفضوحة ضد الجزائر، ما جعلها تغرد خارج سرب الإجماع العالمي الذي أقر بأهمية هذه الزيارة في ترسيخ قيم الحوار والتعايش بين الأديان. كما كان متوقعا استغل اليمين المتطرّف الفرنسي حدث زيارة البابا ليون إلى الجزائر لإنتاج خطاب سياسي عدائي ليس ببعيد عن خطاباته السابقة، وتواصل النعيق حتى بعد ختام هذه الزيارة الناجحة بامتياز، والتي أدخلت هذا التيار في هيستيريا كبيرة جعلته يعض أنامله غيظا. فقد راح اليمين المتطرّف يوظف أبواقه الإعلامية التي سرعان ما سقط عنها قناع المهنية ليحل محله العداء والكراهية، حيث فشلت في الفصل بين هذا الحدث الدبلوماسي ومواقفها السياسية المعادية لكل ما هو جزائري، بل سرعان ما نسيت زيارة البابا وراحت تنسج سيناريوهاتها المألوفة في التهجم على الجزائر. وبلاشك فإن هذه الزيارة التي رسخت دور الجزائر كفاعل إقليمي، وعززت صورتها كصانع للسلام في العالم، أثار انزعاج الأوساط الفرنسية، التي لم تتقبل حتى اختيار البابا الجزائر كوجهة أولى له في جولته الإفريقية، ما يعد اعترافا صريحا بالأدوار الحيوية للجزائر. ومن أبرز التأويلات التي حوال اليمين المتطرف التلويح بها هو ربط زيارة بابا الفاتيكان بمحاولة فكّ الارتباط بين الكنيسة الكاثوليكية والإرث الاستعماري الفرنسي في شمال إفريقيا، الذي يتباهى به اليمين المتطرف، حيث هناك من يرى أن اختيار ليون الرابع عشر الجزائر كمحطة أولى لجولته الإفريقية، يعد بمثابة "تشريف" لها ومسايرة لتوجهاتها الجديدة في مجال التعاون الدولي وفق شراكة متعددة الأطراف بعيدا عن الوصاية الفرنسية . وأربكت هذه الزيارة دوائر فرنسية لازالت وفية لفكرها الكولونيالي وهي التي لطاما حاولت لعقود من الزمن فرض سرديات تاريخية على مقاسها، رافضة أي دور جديد للجزائر في المنطقة المتوسطية. غير أن إقرار البابا بالمكانة التي تحظى بها الجزائر منذ زمن القديس أوغستين وقبل ذلك بكثير، كانت بمثابة صفعة لهذه الدوائر التي تتمسك بنظرتها الاستعلائية في تعاملها مع المستعمرات الإفريقية السابقة. وهناك من ذهب أبعد من هذا، على غرار اليميني المتطرف إريك زمور، الذي انتقد أي تقارب رمزي مع العالم الإسلامي، باعتبار زيارة البابا "لبلد مسلم يكاد يخلو من المسيحيين" تغذي خطابا لا يخدم الهوية الأوروبية، في حين امتعضت أبواق يمينية أخرى من كون هذه الزيارة تمكن الجزائر من فرض نفسها في فضاء الحوار العالمي. أمام هذه الهجمات الفرنسية خرجت أصوات العقل لتناقض الخطابات العنصرية التي رهنت العلاقات الجزائرية الفرنسية، على غرار رئيسة جمعية الصداقة فرنسا-الجزائر سيغولين روايال، التي أكدت أن "الحقد على الجزائر تجارة رخيصة"، وذلك في ردّها على هذه الحملة المفضوحة. كما أشارت إلى أن خطاب البابا في الجزائر يحمل رسالة قوية ضد الانغلاق والتطرف، واعتبرته صفعة لليمين المتطرف، كونه "درسا تاريخيا جميلا يرد بصدق على أولئك الذين يكررون أنه قبل الاستعمار لم يكن هناك شيء، ولم تكن الجزائر موجودة". وحذرت روايال السلطات الفرنسية من تضييع المزيد من الوقت بالقول إن "الكلمات الصادرة عن بابا الفاتيكان تجاه الجزائر مثال يحتذى به يوما ما في خطاب رسمي فرنسي، قبل فوات الأوان". وحرصت على إرفاق منشورها بكلمات ليون الرابع عشر "الجزائر، بلد عظيم ذو تاريخ طويل غالبا ما كان مؤلما، وقد استطعتم تجاوزه بشجاعة ونزاهة، بفضل نبل الروح الذي يميزكم، والذي أشعر بأنه لا يزال حيا إلى اليوم". ويمكن الجزم أن زيارة بابا الفاتيكان أفحمت المتعجرفين في تيار اليمين المتطرف رغم محاولاته تشويه صورة الجزائر من بلاطوهات قنوات معروفة بكرهها لكل ما هو جزائري، غير أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل وسقطت في مستنقع الأكاذيب التي فضحتها زيارة البابا التي تعد الأولى من نوعها لبلد عربي وإفريقي.