احتضن مسرح "عز الدين مجوبي" بعنابة، أول أمس، عرض الفيلم السينمائي الملحمي "حدة" للمخرج أحمد رياض، وسط أجواء من الاعتزاز التاريخي. وقد غصت القاعة بالجمهور العنابي، الذي توافد لاكتشاف هذا العمل، الذي يسلط الضوء، في 76 دقيقة، على جانب نادر من نضال المرأة الجزائرية إبان الثورة التحريرية الكبرى، متمثلًا في تضحيات الممرضات اللواتي عُرفن ب"الحوريات". تتمحور قصة الفيلم حول شخصية "حدة"، التي جسدتها ببراعة الممثلة ليديا لعريني، وهي مجاهدة ممرضة أخذت على عاتقها، مهمة تدريب مجموعة من الفتيات على الإسعافات الطبية في مناطق معزولة ومحاصرة. ويبرز العمل كيف تحولت هذه النسوة إلى صمام أمان لجيش التحرير، من خلال إيواء الجرحى وتقديم الرعاية الطبية في ظروف قاسية، متخذات قرارات مصيرية في أحلك اللحظات السرية. وقد نجح المخرج أحمد رياض في تقديم رؤية سينمائية معاصرة، تبتعد عن القوالب النمطية، لتغوص في الأبعاد الإنسانية والنفسية للمجاهدات، ما جعل الجمهور العنابي يتفاعل بعمق مع كل مشهد. ففيلم "حدة" ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو وعاء جمالي، يوثق دور المرأة التي لم تكتفِ بالدعم اللوجستي، بل كانت فاعلًا أساسيًا في التكوين الطبي الميداني، والمواجهة المباشرة مع الموت من أجل إنقاذ الأرواح. حين تتحول الذاكرة إلى سينما أفلام تغوص في عمق الإنسان تفرد مهرجان الفيلم المتوسطي بعنابة، هذه السنة، في طبعته السادسة، بتقديم أفلام ذات رؤية سينمائية عميقة، تبتعد عن السرد السطحي، لتغوص في تعقيدات الإنسان والذاكرة والعلاقات. ولم تكن العروض مجرد مشاهدة، بل شكلت لحظات تفكير وتأمل، فتحت نقاشات واسعة بين الحاضرين. في هذا السياق، برزت مجموعة من الأفلام التي حملت توقيع مخرجين من مدارس سينمائية متعددة، مقدمة رؤى متباينة، لكنها تلتقي في عمق الطرح. "هوس العظمة" في مرآة الذاكرة أخذ فيلم "The Megalomaniacs" الجمهور العنابي في تجربة سينمائية تأملية، حيث يقدم المخرج سبيروس ستاثولوبولوس، رؤية بصرية تبحث في صراع الإنسان مع ذاته وتاريخه. عُرض الفيلم بقاعة العروض بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي"، بحضور جمهور تابع تفاصيله في صمت لافت. تدور الأحداث حول شخصيتين تعيشان عزلة رمزية أمام آثار قديمة، في فضاء يطرح تساؤلات حول تضخم الأنا وحدودها. أُنتج العمل سنة 2024، ويعتمد على أداء تمثيلي مميز لطاقم مبدع، من بينهم يورغوس كينتوريس وماريا كالياس، حيث ينسج كل منهما حضورًا مكثفًا، ما جعل المشاهد ينبهر بجمالية الصورة وقوة الأداء. "ثقل الأبوة" بين الخوف والنجاة يرسم فيلم "Un Hijo" ملامح علاقة إنسانية مؤثرة، بإخراج ناتشو لا كازا وبطولة خوسيه كورونادو، إلى جانب ماتيو أرتيغا. احتضنت قاعة العروض بالمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" هذا العمل، الذي أُنتج سنة 2025. تدور الأحداث حول أب يواجه تحديات قاسية، لحماية ابنه، في رحلة تختلط فيها مشاعر الخوف بالمسؤولية. وجاء الأداء التمثيلي صادقًا ومؤثرًا، خاصة من كورونادو الذي نقل عمق الشخصية ببراعة. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة عائلية، بل يضع المشاهد أمام أسئلة إنسانية عميقة، ما جعله من أبرز الأعمال التي لامست وجدان الجمهور خلال هذا اليوم. صمت العلاقات في زمن الانهيار يستكشف فيلم "Dead Dog" تعقيدات العلاقات الإنسانية، بإخراج سارة فرانسيس وبطولة رودريغ سليمان وديامان أبو عبود. قُدم الفيلم وسط حضور عائلي تابع العمل بتركيز كبير. أُنتج سنة 2024، ويعرض قصة شخصيتين تعيشان حالة من الجمود العاطفي في واقع متغير. اعتمدت المخرجة على إيقاع بطيء وصورة مشحونة بالدلالات، ما منح العمل عمقًا خاصًا. وجاء تفاعل الجمهور متباينًا؛ إذ انجذب البعض إلى صدقه وجرأته، بينما وجد آخرون صعوبة في مجاراة إيقاعه. وقد كان الأداء التمثيلي داخليًا ومكثفًا، يعكس هشاشة الشخصيات دون مبالغة. بعد العرض، برزت نقاشات حول معنى الاستمرار في علاقات فقدت توازنها، ليؤكد الفيلم حضوره كعمل يطرح أسئلة وجودية عميقة. أسطورة الموسيقى بين المجد والعزلة يستعرض فيلم "Michael" سيرة فنية وإنسانية مميزة، بإخراج أنطوان فوكوا وبطولة جعفر جاكسون، إلى جانب نيا لونغ وكولمان دومينغو، مجسدا شخصية مايكل جاكسون. أُنتج الفيلم سنة 2025، ويتتبع مسار جاكسون من الطفولة إلى العالمية، مستعرضًا محطات النجاح والتحديات. تميز العمل بإنتاج مميز ومشاهد موسيقية استعراضية، أعادت إحياء أشهر عروضه، حيث كان تفاعل الجمهور قويًا، وتعالت التصفيقات خلال المشاهد الغنائية، ليقدم الفيلم تجربة سينمائية تجمع بين المتعة والعمق الإنساني. الفيلم القصير.. مرآة للإنسان والواقع في سياق آخر، برز ضمن المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة عملان استطاعا استقطاب اهتمام واسع بفضل عمق الطرح وجودة التنفيذ، وهما فيلم "والدي والقذافي" وفيلم "تحول". يفتح فيلم "والدي والقذافي" للمخرجة جيهان كيداري، والذي أُنتج عام 2023، نافذة على الذاكرة الليبية بأسلوب يمزج بين الشخصي والعام. وقد اعتمد الفيلم في نجاحه على أداء مؤثر من الممثل يحيى الفايدي والممثلة فاطمة الفايدي، اللذين جسدا بعمق ملامح الحنين والبحث عن الهوية في ظل تقلبات الحكم. استطاعت المخرجة جيهان كيداري، من خلال هذا العمل، أن تنقل صراع الأجيال وسط التحولات السياسية الكبرى، ما جعل الجمهور يتفاعل بشكل كبير مع القصة، التي تروي تفاصيل إنسانية من تاريخ ليبيا المعاصر. في سياق آخر، يأخذنا فيلم "تحول" (Shapeshifting) للمخرجين جود حداد ويامن مقداد، وهو من إنتاج عام 2024، إلى عوالم من الغموض والشاعرية التي تميز السينما السورية الشابة. برز في هذا العمل، الأداء المتميز للممثلة ريم علي والممثل طارق عبدو، اللذين استطاعا نقل الصراعات الداخلية للنفس البشرية أمام تغيرات الواقع الصعب. تميز المخرجان جود حداد ويامن مقداد باستخدام لغة بصرية مبتكرة، تعتمد على الإيحاء، ما جعل الفيلم عنصر جذب قوي للجمهور المحب للسينما، التي تطرح تساؤلات وجودية حول مصير الإنسان وتحولاته. تؤكد هذه العروض النوعية، أن الفيلم القصير هو فن التكثيف بامتياز، حيث نجح المخرجون والممثلون في بناء عوالم متكاملة في وقت وجيز، ما يثبت أن السينما المتوسطية تزداد نضجًا وقدرة على محاكاة الواقع بأساليب فنية عالمية، تجذب جمهورًا بمختلف اهتماماته.