فرنسا بعدما أعيتها كل الوسائل الجهنمية التي لجأت إليها والأساليب التي انتهجتها في خداع الشعب الجزائري ومحاصرة ثورته وتفكيكهاوإنشاء المجمعات السكنية والمحتشدات لعزل الثورة وتحييدها عن الشعب الجزائري، وبعدما لجأت إلى ما سمّته باستسلام الشجعان، وهذا كله بعد أن تعاقبت الحكومات المتساقطة وجيئ بالجنرال ديغول كعجلة إنقاذ، لم تجد إلا حلا واحدا، هو الاعتراف بالثورة والجلوس مع ممثليها على مائدة إيفيان رغم العراقيل التي حاولت أن تضعها حتى لا يكون الاستقلال استقلالا كاملا، وكذا محاولة فصل الصحراء وجعلها منطقة خاضعة لنفوذها تديرها وتنهب خيراتها، إلا أن الشعب الجزائري كان لها بالمرصاد وأحبط كل خططها الجهنمية. فرنسا لم تستوعب الدرس لحد الآن، ومازالت تحوم حول الحمى وفي اعتقادها أن الشعب الذي أنجب المقاومات المستمرة ولم ييأس من طردها من بلاده، قد أصبح عاجزا عن إنجاب مثل أولئك الرجال الذين آمنوا بقضيتهم واستبسلوا في افتكاك حريتهم، لكنها ستبقى تعيش ذلك الوهم حتى تصطدم بالحقيقة التي مازالت لم تؤمن بها بعد، بأن الشعب الذي انتصر عليها بالأمس هو نفسه الشعب الذي سينتصر عليها اليوم وغدا، وأن النسور التي نزلت في ربيع 1962 هي النسور التي ماتزال تسكن القمم وتحرس الحمى وتعيش كما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: “سأعيش رغم الداء والأعداء... كالنسر على القمة الشماء”. والجزائر اليوم تحتفل بعيديها؛ عيد الانتصار وعيد الاستقلال في ذكراه الخمسين . إن تلك الصور الجميلة حينما نزل النسور من على قمم الجبال ماتزال تملأ عيون من كانوا أطفالا، وتلك الأناشيد المدوية ماتزال تملأ مسامعهم وتصدح بها حناجرهم بكل قوة واعتزاز : “وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر”. إن الشعب الجزائري الذي خبر مكائد الاستعمار البغيض لا يمكن أن يُلدغ من الجحر مرتين، والمخططات والمناورات والمكائد التي يحيكها الاستعمار ستتمزق خيوطها وستحبط مخططاتها، لأن نسور الجزائر مايزالون يحفظون قمم الجبال، ويجوبون الصحراء، ويصنعون الانتصار تلو الانتصار . عيد النصر هو عيد ما أنجزه الشهداء وما حققه الشعب الجزائري من خلال إيمانه بقضيته ووحدته التي لا يمكن أن تُمس؛ لأنه سبق له وأن صدح بها في أوقات المحن وقال: ”شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب من قال حاد عن أصله ... أو قال مات فقد كذب”. شهر مارس شهر الشهداء وشهر الانتصار العظيم على عدو استيطاني كان يوهم نفسه بأن الجزائر قطعة من فرنسا، ناسيا أن أبطال الجزائر ورجالاتها قد صاحوا صيحتهم المشهورة “هذا التراب لا يباع ولا يُشترى لأنه ملك للجزائريين”.