تحمل الأطباق الشعبية والتقليدية على تنوعها أكثر من معنى، فهي تعكس قيم وعادات أصيلة في المجتمع، فهي أكبر من أن تكون مجرد طبق يستهوي الجزائريين طعمه. لكن الواقع في مجتمعنا اليوم، أصبح يقول عكس ذلك، حيث أضحت الوجبات السريعة طبق الكثير من العائلات في حياتهم اليومية، في حين فقدت أغلب الأطباق الشعبية نكهتها، و أصبحت تقتصر في بعض الأحيان على المواسم و المناسبات الكبيرة. اقتصار الأطباق التقليدية عل المواسم والمناسبات يعكس التنوع الثقافي الذي تزخر به الجزائر على امتداد مساحتها الشاسعة، وتنوع المناطق والأعراق فيها، حجم العادات والتقاليد التي تميز كل منطقة عن الأخرى، فهذا الاختلاف يعد ميزة تخص الجزائريين عن غيرهم من الشعوب، ونلمس هذا التنوع والمكنون الحضاري الذي تتمتع به بلادنا والخاص بالمنطقة عن الأخرى في الكثير من مجالات الحياة المتنوعة على غرار اللهجة، اللباس، عادات وقيم معينة ترتبط بمنطقة دون الأخرى. وكذلك الأطباق المختلفة التي تميز كل منطقة عن الأخرى، وهذا الاختلاف الذي أشاد به الكثيرون وباعتراف أهل الاختصاص، نجد أن الميزة التي لطالما كانت تحسب للعادات والتقليد الجزائرية هو التنوع الذي تزخر به الموائد الجزائرية في مجال الطبخ و كذا تنوع الأطباق الجزائرية التي تميز منطقة معينة، أو لها شعبية على المستوى الوطني كالكسكسي الذي اكتسى شهرة عالمية واقترن اسمه بالعادات الجزائرية، إلا أن المشكل الذي يطرح نفسه وبشكل كبير، سيما في الآونة الأخيرة، هو اقتصار هذه الأطباق وفي كثير من الأحيان على المواسم و المناسبات الكبيرة، التي بدأت تتراجع فيها أيضا شعبية هذه الأطباق، نظرا لظروف وعوامل عديدة أملاها تغير الزمان و عقليات الجيل الحالي. حتى في بعض المناسبات أصبحنا نفتقدها... ان الحديث عن قيمة الأطباق التقليدية الجزائري هو حديث يشمل العديد من الجوانب الثقافية والحضارية للمجتمع الجزائري، لأن الحديث عن طبق الجزائري الأصيل لا يقتصر على مجرد أكلة تنتهي بانتهائنا من تناولها، خاصة وأن طبق الكسكسي مثلا أكبر من يكون مجرد طبق، فالواقع أن هذا الطبق بالتحديد أصبح رمزا عالميا ارتبط بالعادات والقيم الجزائرية. إلا أنه للأسف الشديد هذه الأطباق أصبحنا نفتقدها حتى في المناسبات والأفراح ففي الأمس القريب، كانت الشخشوخة أو الكسكسي الطبق الأول الذي يزن المائدة الجزائرية في هذه المناسبة، لتحل محله وفرة المنتوجات التقليدية في السوق... غيب نكهتها عند الجزائريين حقيقة أن التطور التكنولوجي وكذا الانفتاح الذي تعرفه السوق الجزائرية في توفر وتنوع المواد الأولية، قد مكن الجزائريين وبشكل كبير على تحصيل ربما مواد بسيطة، كانت في الأمس القريب تعتبر من المستحيلات، لكنه وبالمقابل أيضا قد ألغى عادات وأنماط لطالما اعتبرت من الأمور المقدسة ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التخلي عنها. ولكن واقعنا في العصر الحالي يقول عكس ذلك، فأسهم الأطباق التقليدية انخفضت أسهما و تراجعت قيمتها عند أهلها، سيما بعد العولمة التي شملت حتى نمط وطبيعة غذائنا، فالواقع يقول أن لا البيتزا، ولا البانيني، ولا سوفلي، ولا الهمبورغر، مأكولات جزائرية فهي بعيدة عن ثقافة الأصيلة، ومع هذا أصبحت تنافس هذه الأطباق التقليدية على الموائد الجزائرية، بل الأدهى من ذلك كله أصبحت وجبات يومية للعديد منا، في وقت تتراجع شعبية أطباق نابعة من عمق عادات الجزائريين. " لجوء المرأة العاملة إلى الوجبات الخفيفة...سبب تفاقم الظاهرة " كما يحصر العديد من الجزائريين تراجع شعبية واستعمال الأطباق التقليدية في مجتمعنا سواء في الحياة اليومية أو في المناسبات، على المرأة ذاتها فخروجها الى العمل أو الدراسة، يشغلها حتما عن تعلم مثل هذه الأطباق على غرار الشخشوخة على اختلاف انواعها، الكسكسي، الرفيس، وغيرها والتي تتطلب وقتا سواء لتعلمها أو تحضيرها لأنها حسب ما تقول جميلة تحتاج الى الممارسة المستمرة وبالتالي الخبرة لأنه لا يمكن لأشياء مثل هذه أن تتعلم بين ليلة وضحاها، أو عن طريق الاعتماد على الملاحظة فقط. و يعتبر انشغال المرأة خارج المنزل حسب رأي أمينة أبرز عامل ساهم في تراجع استعمال أطباق هي من عمق تراثنا، " لما تعود المرأة من العمل متعبة فأكيد أنها ستفكر في اقتناء أكل خفيف يفي بالغرض و الابتعاد عن تلك المأكولات التقليدية التي قد تزيدها تعبا و انهاكا"، كما ترى أن أطباقنا الشعبية التقليدية اليوم تصارع أمام الزخم الكبير من الاطباق الاجنبية التي تعرف بالخفة و قلة الدسم، فبالكاد نجد اطباقنا متربعة على عرش الموائد الجزائرية في المناسبات خاصة في الشهر الفضيل الذي يتزامن في السنوات الاخيرة مع فصل الصيف الذي يتطلب حسب العائلات الجزائرية اكل قليل الدسم و سهل التحضير و لا يوجد احسن من الاطباق الاجنبية فحسب ظني الأكلات الجزائرية فعلا تصارع من أجل البقاء. في حين تؤكد الأنسة حميدة أن الأطباق الشعبية، " تراجعت وأصبحت تقتصر على المناسبات أو عند زيارة الأقارب في حين يزداد الطلب خلال الأيام العادية على الأطباق العصرية وسريعة التحضير". وعلى عكس ما يراه أهل العاصمة، يرى أمين، شاب من الجنوب الجزائري، أن شعبية هذه الأطباق ورغم التطور مازالت إلى يومنا تحتفظ بنكهتها في العديد من ولايات الجنوب ، حيث يقول : " هذي الأطباق دئما موجودة، و ليست مقتصرة على المناسبات، بل توجد أيضا محلات كذلك محلات لتحضيرها وخيمات تقليدية خاصة في منطقة بوسعادة.