قبيل الشهر الفضيل اتجهنا إلى سوق باش جراح وبالتحديد مربع سوق الذهب أو "الدلالة" للإطلاع على أجواء السوق ونحن نقبل على استقبال الشهر الفضيل، الذي يأتي التحضير له من كل الجهات وكان لسوق الذهب نصيب من تحضير العائلات لإستقباله . من خلال تواجدنا في سوق "الدلالة" بباش جراح الذي يضم حوالي 300 طاولة لبيع المصوغات لفت انتباهنا استفسار الزبائن عن سعر الذهب المستعمل بغية بيع مصوغاتهم من أجل مواجهة شبح الغلاء وتمضية شهر رمضان في وضع أحسن خاصة مع ارتفاع الأسعار المواد الاستهلاكية في مقدمتها المواد الضرورية. عائلات تبيع مصوغاتها تحضيرا لرمضان بالنظر إلى سعر الذهب المستعمل الذي سبق استخدامه ذو 18 قيراط وصل سعره إلى 3900 دج للغرام وهو ثمن يفي بالغرض بالنسبة للعائلات المعوزة، من بينهم "خالتي الطاووس" في العقد السابع من العمر التي أتت بمصوغ لتقوم ببيعه يزن حوالي 19 غرام إلا أنها ترددت كثيرا في بيعه رضيت بالسعر إلا أنها بدت جد متعلقة بالمصوغ الذي احتفظت به أكثر من ثلاث عقود، تركناها تكمل معاملتها مع أحد تجار الذهب في السوق الموازية لباش جراح وعندما سألناها عن الأمر الذي حملها لبيع مصوغاتها تبسمت قائلة "الحدايد لشدايد" مشيرة أنها تعيل عائلة من عشرة أشخاص بعد أن أصيب ابنها الأكبر الذي كانت تقع عليه كل متطلبات العائلة بحادث عمل أدى إلى إصابته على مستوى الظهر ما حمله على التوقف عن العمل، كما أن هناك من يقوم ببيع المصوغات من أجل تغطية تكاليف علاج أو توكيل محامي للخروج من مشكلة ما، بالنسبة لمن هم في أمس الحاجة إلى المال، من جهة أخرى عبر أحد الأشخاص الذي كان يلاحظ بفضول حركة السوق أن حاجة الزبائن إلى التفاوض حول السعر تتلاشى أمام الحجج التي يقدمها تجار الذهب في الشارع وهذا يترجم الحاجة الماسة لهؤلاء في تغطية تكاليف الشهر الفضيل الذين يكون أغلبهم عائلات محدودة الدخل والمعدومة. التجار يُقِرّون بتراجع الإقبال لانشغال الناس برمضان اقتربنا من محمد الذي يملك طاولة لبيع الذهب في السوق فأشار أن أسعار الذهب مستقرة ورمضان لا يؤثر في الأسعار إلا أن سعر الذهب المستعمل تراجع قليلا بسبب قلة الطلب عليه وصل إلى 3900 دج للغرام، وهذا راجع إلى دخول أصحاب الورشات والحرفيين في عطلة وهذا ما يحدث كل سنة، مشيرا إلى أن تراجع إقبال الناس عن شراء الذهب راجع اهتمامهم بالتحضير لشهر رمضان المعظم، فيما أجمع الباقون على أن السوق يشهد ركودا عاديا يستعيد حيوية في النصف الثاني من الشهر الفضيل كما جرت العادة، وفي ذات السياق ذكر أحدهم أن 60 بالمائة من التجار يغادرون السوق في رمضان إلى غاية الأيام الأخيرة التي تسبق عيد الفطر أين يستعيد السوق حيويته وذلك تحضيرا للمهيبات والأعراس التي تأتي مباشرة بعد شهر رمضان كما جرت العادة، من جهة أخرى أجمع "يزيد" وزميله أن شراء الذهب المستعمل يكون بالتراضي بين التاجر و الزبون وأحيانا يكون المصوغ قليل في حالة جديدا يستدعي إعادة بيعه دون رسكلته وهذا يخدم التجار عموما، وهو نوعان إيطالي ومحلي، فالمحلي سعره 3900 دج إلا أن الإيطالي سعره 4150 دج و الفرق بينهما أن الذهب الإيطالي أكثر صفاءا من الذهب المحلي ويكثر الطلب عليه باعتبار أنه صافي ولا ينقص وزنه عند إذابته عكس الذهب المحلي المعرض للغش. الحرفيون والورشات في عطلة... أشار عبد الكريم صائغ حرفي تعلم حرفته بسيدي محمد شريف بالقصبة ،الجزائر العاصمة، يقول في هذا الشأن أن الذين يشترون الذهب المستعمل في السوق السوداء بالقرب من القرض البلدي يعيدون بيعه للصائغين الحرفيين الذي يقومون بدورهم برسكلته واستعماله كمادة أولية خام" وبشارع بن مهيدي مثلما هو الشأن بشارع روفيغو سابقا تتربع سوقا سوداء حقيقة تبرم فيها صفقات كبيرة ويتداول من خلالها عشرات الملايين من الدينارات يوميا أما عن البيع والشراء فذكر المتحدث "اللي حب يربح العام طويل"، مشيرا أن أسعاره تقدر ب 6800 دج للغرام بالنسبة للقطع المسكوكة والإيطالية و5400 للغرام بالنسبة للقطع غير المسكوكة، مشيرا أن العطلة السنوية تقلب موازين بسبب دخول الحرفيين وأصحاب الورشات في عطلة، خاصة بعدما زاد عدد الورشات عبر الوطن. غادرنا السوق حاملين انطباع أن غياب أجواء رمضان المفقودة في سوق المواد الإستهلاكية راجع إلى مضي الناس في رحلة البحث عن سبل تمضية الشهر الفضيل في ظروف أحسن.