وفاة الوزير الأسبق خذري    مع تحويل 60 لقطاع الصحة بلديات قسنطينة تدمج 600 عامل في عقود ما قبل التشغيل وتنهي معاناتهم    حملة لمكافحة آفة بوفروة بواحات بسكرة    رفع القيود عن التوزيعات النقدية للبنوك    انطلاقة بأعلى المعدلات منذ 21 عاما    الفاف يدرس إيقاف بطولة الرابطة المحترفة الأولى قبل الأوان    توتنهام يحسم موقفه من عرض مانشستر سيتي القياسي    بداية موفقة لبن شبلة    الرجوب يحفّز البعثة الجزائرية لتحقيق الأفضل    الإصابة تُبعد بن سبعيني عن الملاعب    لعقاب ومنصوري ينسحبان من سباق الدراجات    انشغالات تنموية تؤرق السكان    رحيل "أحسن عسوس" المدير الأسبق للمسرح الجهوي لسيدي بلعباس    كبش اليتيم    كورونا…تسجيل 1305 إصابة جديدة و16 وفاة    انطلاق حملة نموذجية واسعة    327 حادث مرور جسماني خلال أسبوع    أولمبياد2020/رماية- مسدس هواء مضغوط - 10 أمتار: إقصاء الجزائرية هدى شعبي    هذه نصيحة عالم الفيزياء نور الدين مليكشي للجزائريين لمواجهة كورونا    زغدار يلتقي مسؤولي مجمع "ELEC ELDJAZAIR"    الحماية المدنية تتدخل لاخماد حريق بجبال الشريعة    ولاية العاصمة تغلق منتزه الصابلات كإجراء وقائي    كوفيد-19: وصول 2400000 جرعة من اللقاح تم اقتناءها من الصين    التصريح والدفع عبر الإنترنت بالولايات التي ليس لديها مراكز ضرائب    فرنسا تنهي مهام إمام مسجد بمبرر تلاوته لآيات قرآنية مُنافية لقيم الجُمهورية    الأئمة يطالبون رئيس الجمهورية بالتدخل العاجل من أجل حمايتهم    تعليق الدروس و الامتحانات ومداولات التخرج على مستوى الجامعات بسبب كورونا    تبون يترأس أول اجتماع مع الحكومة الجديدة غدًا الأحد    جنوحات: منحنى ارتفاع الإصابات في الجزائر يتزامن مع الإصابة في العالم حاليا    لعروق ل"الجزائر الجديدة: "انفتاح مدرسة فنون الجميلة على العالم حتمية    "مراسلون بلا حدود" تعترف بإدراج الجزائر "خطأ" ضمن قائمة مستعملي برنامج التجسس "بيغاسوس"    إنتاج لقاح كوفيد-19: وصول وفد من الخبراء الصينيين لتفقد تجهيزات وحدة الإنتاج لمجمع "صيدال"    الكبيرة في الصحافة بن شيخ فتيحة في ذمة الله    "مراسلون بلا حدود" تعترف بإدراج الجزائر "خطأ" ضمن قائمة مستعملي برنامج التجسس "بيغاسوس"    خبر وفاة دلال عبد العزيز يُحدثُ ضجة في العالم العربي    المقدم العربي بن حجار أحد رموز تثمين التراث بمستغانم    نُزُهَات بحرية وأطباق شهية    الجزائر تحتفظ بالحق في تنفيذ استراتيجية الرد على المغرب    إطلاق بوابة رقمية جديدة لترقية العلاقة بين الإدارة ودافعي الضرائب    «61.17 % نسبة النجاح باحتساب معدل يساوي أو يفوق 9.5 / 20»    تبادل وجهات النظر حول آخر التطورات في ليبيا    الرئيس تبون يستقبل رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات    "أمازون" تقطع الأنترنت عن شركة "أن أس أو غروب" الإسرائيلية    الصحفي محمد علوان في ذمة الله    حزب جبهة التحرير الوطني يستنكر    المخزن ينفي تورطه في عمليات تجسس وتنصت!    إنه عيد الأضحى.. فاخلعوا الأحزان    زيارة اعتراف وعرفان    استرجاع مصوغات بقيمة 1.2 مليار سنتيم    توقيف متورطين في قضايا سرقة    وفاة ثلاثيني في حادث مرور    أرشح جمال سجاتي للوصول إلى نهائي 800م بطوكيو    صدور العدد الثامن لمجلة الصالون الثقافي    ''معذبو الأرض" لفرانز فانون    وفاة المثقف عبد الحكيم مزياني    في تعليق لها عن حوادث المرور لجنة الفتوى تؤكد مسؤولية السائق اتجاه الحادث    الكعبة المشرفة تكتسي حلتها الجديدة    الكعبة المشرفة تكتسي حلة جديدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثَلَاثُ وَصَايَا بَعْدَ رَمَضَانَ
نشر في أخبار اليوم يوم 04 - 09 - 2011

مِمَّا يُنَاسِبُ ذِكْرُهُ وَتَدَارُسُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ حَدِيثٌ نَافِعٌ عَظِيمٌ، دَلَّنَا فِيْهِ الْنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَنْفَعُنَا فِيْ مُعَامَلَتِنَا لله تَعَالَى، وَمُعَامَلَتِنَا لِلْنَّاسِ؛ ذَلِكُمْ هُوَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُوْلُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ الْسَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ الْنَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وَقَرِيِبَ مِنْهُ حَدِيْثُ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ الْنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْنَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: تَقْوَىَ الله وَحُسْنُ الْخُلُقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَمَنْ نَظَرَ فِيْ هَذَا الحَدِيثِ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ احْتَوَى عَلَى ثَلَاثِ وَصَايَا، وَهَذِهِ الْوَصَايَا الثَّلَاثُ كَانَ يَكْثُرُ الْعَمَلُ بِهَا فِيْ رَمَضَانَ؛ لِخُصُوْصِيَّةِ الشَّهْرِ الكَرِيمِ فِي قُلُوْبِ المُؤْمِنِيْنَ؛ وَلِأَنَّ الصِّيَامَ يَجْعَلُ العَبْدَ أَقْرَبَ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَأَحْسَنَ أَخْلَاقًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الْنَّاسِ. وَهِيَ وَصَايَا عَظِيْمَةٌ جَامِعَةٌ لِحُقُوْقِ الله تَعَالَىْ وَحُقُوْقِ عِبَادِهِ.
وَأَوَّلُ هَذِهِ الْوَصَايَا الْوَصِيَّةُ بِالْتَّقْوَىْ «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» وَشَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ التَّقْوَى؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ سَبَبٌ لِحُصُولِ التَّقْوَى كَمَا فِي قَوْلِ الله تَعَالَى [كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ] {الْبَقَرَةِ:183}. فَالَّذِينَ صَامُوا رَمَضَانَ وَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِيْهِ حَقِيقٌ بِهِمْ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى التَّقْوَى بَعْدَ رَمَضَانَ، وَأَنْ يُجَاهِدُوا نُفُوسَهُمْ عَلَى تَحْقِيقِهَا، وَاللهُ تَعَالَى أَهْلٌ لِأَنْ يُتَّقَى فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّهُ المَلِكُ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، فَلَا يُجْلَبُ نَفْعٌ إِلاَّ مِنْهُ، وَلَا يُدْفَعُ ضُرٌّ إِلاَّ بِهِ [وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ] {يُوْنُسَ:107} وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي ثَوَابُهُ لَا أَجْزَلَ مِنْهُ، وَعِقَابُهُ لا أَشَدَّ مِنْهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِخَلْقِهِ وَمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيهِمْ، وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْتَّقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَكُلُّ تَقْوَى لِأَحَدٍ تَقْصُرُ دُوْنَ تَقْوَاهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنَّ يَتَّقِيَ ضَرَرَ الْأَقْوِيَاءِ مِنَ المَخْلُوْقِيْنَ، وَيُقَصِّرُ فِيْ تَحْقِيقِ تَقْوَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى [وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ] {الْمُدَّثِّرُ: 56}.
وَيَتَرَقَّى الْعَبْدُ فِيْ سُلَّمِ التَّقْوَى حَتَّى يُحَافِظَ عَلَى المَنْدُوبَاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ، وَيَذَرَ المَكْرُوهَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ، وَيَحْذَرَ المُتَشَابِهَاتِ اسْتِبْرَاءً لِدِيْنِهِ، وَمُحَافَظَةً عَلَى تَقْوَاهُ «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِيْنِهِ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:«لَيْسَ تَقْوَى الله بِصِيَامِ الْنِّهَارِ وَلَا بِقَيَامِ الْلَّيْلِ وَالْتَّخْلِيَطِ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ تَقْوَى الله تَرْكُ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَأَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللهُ، فَمَنْ رُزِقَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ».
وَالقُرآَنُ وَالسَّنَةُ طَافِحَانِ بِالْنُّصُوصِ الَّتِي تَأْمُرُ بِالْتَّقْوَى، وَتُرَغِّبُ فِيْهَا، وَتَحَثُ عَلَيْهَا، وَتُبَيَّنُ ثَوَابَهَا فِي الآَخِرَةِ، فَحَرِيٌّ بِمَنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ التَّقْوَى فِي شَهْرِ التَّقْوَى؛ فَكَفَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَحَفِظَ سَمْعَهُ مِنْ لَغْوِ الكَلَامِ، وَأَمْسَكَ لِسَانَهُ عَنِ الْقِيلِ وَالقَالِ، وَاجْتَهَدَ فِي الطَّاعَاتِ، وَجَانَبَ المُحَرَّمَاتِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَرَقَّى فِيْ دَرَجَاتِ التَّقْوَى حَتَّى يَنَالَ مَنْزِلَةَ الأَولِيَاءِ؛ إِذْ تَحْقِيقُ الْتَّقْوَى يَرْفَعُ العَبْدَ إِلَى أَنْ يَكُونَ لله تَعَالَى وَلِيًّا [أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62 ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 63 لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ] {يُوْنُسَ:62-64}.
وَكَتَبَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ يَعِظُ أَخَاهُ فَقَالَ لَهُ:«أُوْصِيكَ بِتَقْوَى الله الَّذِي هُوَ نَجِيُّكَ فِيْ سَرِيرَتِكَ ورَقِيبُكَ فِي عَلَانِيَتِكَ، فَاجْعَلِ اللهَ مِنْ بَالِكَ عَلَى كُلِّ حَالِكِ فِيْ لَيلِكَ وَنَهَارِكَ، وَخَفِ اللهَ بِقَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ، وَقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِعَيْنِهِ لَيْسَ تَخْرُجُ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى سُلْطَانِ غَيْرِهِ، وَلَا مِنْ مُلْكِهِ إِلَى مُلْكِ غَيْرِهِ، فَلْيَعْظُمْ مِنْهُ حَذَرُكَ، وَلْيَكْثُرْ مِنْهُ وَجَلُكَ».
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الإِنْسَانَ تُحَرِّكُهُ الشَّهْوَةُ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيهِ دَاعِي الهَوَى، وتَؤُزُّهُ الشَّيَاطِيْنُ إِلَى الْتَّخَلِّي عَنِ التَّقْوَى فَيُقَصِّرُ فِيْ وَاجِبٍ أَوْ يَفْعَلُ مُحَرَّمًا، فَيَجْدُرُ بِهِ حِيْنَئِذٍ أَلَا يَسْتَسْلِمَ، بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَشَهْوَتَهُ وَشَيَاطِيْنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَإِنْ زَلَّ وَأَخْطَأَ فَلْيُبَادِرْ بِمَحْوِ خَطَئِهِ بِفِعْلٍ صَائِبٍ، وَلْيَأْتِ بِحَسَنَةٍ تَعْفُو أَثَرَ سَيِّئَتِهِ، وَلْيَتَقَرَّبْ بِطَاعَاتٍ فِيْ مُقَابِلِ مَعْصِيَتِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَدِيْثِ «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» وَمَعَ تَحَرُزِ جُمْهُوْرِ المُسْلِمِيْنَ مِنَ الْوُقُوْعِ فِي المَعْصِيَةِ أَثْنَاءَ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ تَعْظِيمًا لَحُرْمَةِ الشَّهْرِ؛ فَإِنَّ الوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا اسْتُزِلَّ فَأَخْطَأَ فِيْهِ رَأَى أَنَّهُ أَتَى أَمْرًا عَظِيمًا، وَقَابَلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ وَكَثْرَةِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ البِرِّ وَالإِحْسَانِ، فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بَعْدَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ عَظَمَةَ مَنْ يَعْصِي لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ رَمَضَانَ عَنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْعَظِيمُ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ..
وَاللهُ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا وَعَجَلَتَنَا فَفَتَحَ لَنَا أَبْوَابَ الْحَسَنَاتِ، وَشَرَعَ لَنَا الْكَثِيْرَ مِنَ المُكَفِّرَاتِ لِنُبَادِرَ بِفِعْلِهَا تَكْفِيْرًا عَنِ الْعِصْيَانِ، وَمَحَوًا لِآَثَارِ السَّيِّئَاتِ، وَفِي ثَنَاءِ الله تَعَالَى عَلَى المُتَّقِيْنَ قَالَ سُبْحَانَهُ [وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ] {آَلِ عِمْرَانَ:135} فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَخْطَئُوا لَمْ يَنْسَوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَظَمَتَهُ فَبَادَرُوا إِلَى مَحْوِ أَثَرِ الذَّنْبِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَعَدَمِ الإِصْرَارِ عَلَى المَعْصِيَةِ.
وَعَلَى العَاصِيْ أَنَّ يُكْثِرَ مِنَ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهَا تُزِيلُ أَثَرَ السَّيِّئَةِ فِي القَلْبِ؛ فَإِنَّ الْتَّجْرِبَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ العَبْدَ إِذَا أَكْثَرَ مِنْ الطَّاعَاتِ ضَعُفَ فِيْ قَلْبِهِ دَاعِي العِصْيَانِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْهُ الرَّغْبَةُ فِي الله تَعَالَى وَفِيْمَا أَعَدَّ مِنْ الْكَرَامَةِ لِأَوْلِيَائِهِ المُتَّقِيْنَ.
كَمَا أَنَّ إِتْبَاعَ المَعْصِيَةِ بِطَاعَةٍ يَجْعَلُ فِيْ صَحِيفَةِ الْعَبْدِ حَسَنَاتٍ تُقَابِلُ السَّيِّئَاتِ الَّتِي قَارَفَهَا، وَأَعْمَالُ العِبَادِ تُوْزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَحْذَرْ أَنْ تَكُوْنَ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتهِ [وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ] {هُوْدٍ:114}. قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:«إِذَا أَسَأْتَ سَيِّئَةً فِيْ سَرِيْرَةٍ فَأَحْسِنْ حَسَنَةً فِيْ سَرِيرَةٍ، وَإِذَا أَسَأْتَ سَيِّئَةً فِيْ عَلَانِيَةٍ فَأَحْسِنْ حَسَنَةً فِيْ عَلَانِيَةٍ ، لِكَيْ تَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ».
وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ رَجُلٍ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ شُبْهَةٍ: صَلَاتُهُ وَتَسْبِيْحُهُ يَحُطُّ عَنْهُ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنْ صَلَّى وَسَبَّحَ يُرِيدُ بِهِ ذَلِكَ، فَأَرْجُو، قَالَ اللهُ تَعَالَىْ [خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ] {الْتَّوْبَةَ:102}.
وَالإِنْسَانُ فِيْ حَيَاتِهِ الدُّنْيَا يُعَامِلُ الْخَلْقَ كَثِيْرًا مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ كَوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَنْ بَعْدُ مِنْهُمْ مِنْ سَائِرِ الْنَّاسِ، فَالتَوْجِيْهُ الْنَّبَوِيُّ أَنَّ يُعَامِلَهُمْ بِالْحُسْنَى؛ فَيَحْلُمُ عَنْ جَاهِلِهِمْ، وَيَصْبِرُ عَلَى مُسِيئِهِمْ «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» فَهِيَ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ.
وَفِيْ رَمَضَانَ كَانَ الصَّائِمُ يُلْجِمُ نَفْسَهُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَحْبِسُ لِسَانَهُ عَنِ الْجَهْلِ، وَيُقَابِلُ مَنْ شَاتَمَهُ بِقَوْلِهِ «إِنِّي صَائِمٌ»؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ فِيْ عِبَادَةٍ فَلَا يُرِيْدُ تَخْرِيقَهَا؛ وَلِذَا جَاءَ فِي الْحَدِيْثِ أَنَّ الْصَّوْمَ جُنَّةٌ، أَيْ وِقَايَةٌ يَحْمِي العَبْدَ مِنَ الوُقُوْعِ فِي الإِثْمِ..
فَمَنْ تَعَلَّمَ فِيْ رَمَضَانَ كَظْمَ الْغَيْظِ، وَتَسْكِينَ الْغَضَبِ، وَمُقَابَلَةَ الْجَهْلِ بِالحِلْمِ، وَالإِسَاءَةَ بِالإِحْسَانِ، وَكَانَتْ السَّمَاحَةُ وَالْعَفْوُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ دَيْدَنَهُ فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ رَمَضَانَ؛ طَلَبًا لِرِضَا الله تَعَالَى، حَتَّى يَتَّصِفَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ؛ فَإِنَّمَا الْحُلْمُ بِالْتَّحَلُّمِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:«حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُوْنُ مِنَ الْنَّاسِ».
وَفي حُسْنِ الْخُلُقِ مِنَ الْأَجْرِ وَالْثَّوَابِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَال كَثِيْرٍ مِنَ الْنَّاسِ؛ فَفِيْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ الْنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«إِنَّ الْرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ الْصَّائِمِ الْقَائِمِ»رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ، وَفِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِيْ الْمِيْزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَمَنْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الْوَصَايَا الْثَّلاثِ فَقَدْ أَفْلَحَ وَفَازَ، وَكَسَبَ رِضَا الله تَعَالَى وَمَحَبَّتَهُ وَوِلَايَتَهُ، وَمَحَبَّةَ خَلْقِهِ..
هَذِهِ الْوَصَايَا هِيَ تَقْوَى الله تَعَالَى حَيْثُمَا كَانَ العَبْدُ، وَإِتْبَاعُ الْسَّيِّئَةِ بِحَسَنَةٍ، وَمُعَامَلَةُ الْنَّاسِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ..
أَعانَنَا اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَوَفَقَنَا لَهَا..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.