اصدار للصكوك السيادية:اكتتاب 296.6 مليار دينار لتمويل مشاريع عمومية كبرى    مواد مدرسية تدخل غزة لأول مرة منذ عامين ..3 شهداء وجرحى في قصف مدفعي وجوي شرقي غزة    المغرب: شلل تام في العديد من القطاعات وإضرابات مرتقبة بداية من اليوم    سوريا : روسيا تسحب قوات ومعدات من مطار القامشلي    قسنطينة.. فتح 6 أسواق جوارية خلال رمضان    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    الجزائر تحدد شروط استفادة موظفي التربية الوطنية من التقاعد المبكر    لتعزيز حضور اللّغة العربيّة في الفضاء الإعلاميّ الوطنيّ والدّوليّ..تنصيب لجنة مشروع المعجم الشّامل لمصطلحات الإعلام والاتّصال ثلاثيّ اللّغات    للروائي رفيق موهوب..رواية "اللوكو" في أمسية أدبية بقصر رياس البحر    البويرة: شباب الولاية يناقشون مشاركتهم السياسية ودورهم في التنمية المحلية    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الديوان الوطني للحج والعمرة يعلن انطلاق دفع تكلفة موسم الحج 1447-2026    رئيس الجمهورية التونسية يستقبل وزير الدولة أحمد عطاف    غاتيت يشيد بالتجربة التنموية الجزائرية ويصفها بالنموذج المحتذى به في إفريقيا والعالم    هكذا تستعد إيران للحرب مع أمريكا    الجزائر تعيش تنمية شاملة ومستدامة    حماية كاملة للمرأة والفتاة في الجزائر المنتصرة    الجزائر تدرك أهمية الاستثمار في المورد البشري    التطبيع خطر على الشعب المغربي    وكالة كناص ميلة تباشر حملة إعلامية وتحسيسية    وفاة 3 أشخاص وإصابة 125 آخرين    حج2026 : دعوة الحجاج لإنشاء حساباتهم    نشيد عاليا"بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي حظينا بهما في قطر"    عرقاب رفقة الوفد المرافق له في زيارة عمل إلى جمهورية النيجر    صدور مرسوم رئاسي بإنشاء المركز الوطني للتوحد    يمتن الشراكة القائمة بين المؤسسات الجامعية ومحيطها الاقتصادي    الدولة حريصة على مرافقة وحماية أبنائها بالخارج    الشباب في الصدارة    شتاء بارد جدا    غويري بين الكبار    سيفي غريّب يترأس اجتماعاً    وزير التربية يستشير النقابات    إشادة واسعة بقرار الرئيس    اجتماع لتقييم تموين السوق بالأدوية    سوق تضامني جديد بعلي منجلي    رئيس المفوضية الإفريقية يطالب بمقعد دائم لإفريقيا    نجم الريال السابق فان دير فارت يدافع على حاج موسى    "الخضر" سيقيمون في مدينة كنساس سيتي    صدمة جديدة لبن ناصر ترهن مشاركته المونديالية    تنصيب عبد الغني آيت سعيد رئيسا مديرا عاما جديدا    الاحتلال المغربي يتراجع تحت الضغط الحقوقي الدولي    فتوح يطالب بالضغط على الكيان الصهيوني للانسحاب من غزّة    آلاف المتظاهرين في شوارع باريس للمطالبة بتطبيق العدالة    مخطط عمل لثلاث سنوات لاستغلال الثّروة السمكية الكامنة    1950 مسكن عمومي إيجاري قيد الإنجاز بوهران    مواصلة توزيع المساعدات على المتضررين من الفيضانات    الإشعاع الثقافي يطلق مختبر "الفيلم القصير جدا"    وقفة عرفان لمن ساهم في حماية الذاكرة السينمائية الوطنية    ممثّلا الجزائر يُخيّبان..    تثمين الإرث الحضاري لمولود قاسم نايت بلقاسم    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    حين تصبح الصورة ذاكرةً لا يطالها النسيان    أهمية المقاربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب و الغلو والتطرف    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصطلح الحروب الدينية مخادعة وتمويه للحقيقة
نشر في أخبار اليوم يوم 21 - 01 - 2026


مراصد
إعداد: جمال بوزيان
المعتقد السليم لنصرة المظلومين..
مصطلح الحروب الدينية مخادعة وتمويه للحقيقة
تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.
/////
حرب الدين والمعتقد
أ.د.هاشم غرايبة
يعتقد كثير من معادي الدين أنه لا حاجة للدين في حياتنا العملية ويحاولون دوما ربطه بالصراعات وبالعنف الناجم عنها لذلك يشيعون مقولة لو جرى تنحية احتياجنا غير العملي للدين يمكننا أن نخلق مجتمعا أكثر سلمية.
إنهم بذلك الفهم المجزوء لدور الدين يخطئون في فهم الطبيعة البشرية فالتاريخ يقول إنه لو وضعنا الدين جانبا سيأخذ أمر آخر مكانه: الأطماع المصالح المعتقد (الأيديولوجيا) وكل تلك الأمور لا تنتج أبدا سلما.
الحقيقة هي أن الديانة الحقيقية كما أنزلها الله (وليست التي حرّفها البشر المغرضون) هي الأسلوب الوحيد الذي يحفظ البشرية من السقوط في المنزلقات الأنانية التي هي المحرك الأساسي للنزاعات والقلاقل والحروب وذلك لأن الدين يعتمد على تعزيز نوازع الخير (نفع الآخر) بتحفيز الإقبال عليه ترغيبا بحسن الجزاء وتخفيف نوازع الشر (الاستئثار الأناني) بالردع الذاتي ترهيبا بسوء العاقبة في الدنيا وبعد الموت.
في المقابل ليس هنالك من معتقد يعزز أو منهج بشري يقيم الخير والصلاح في المجتمعات البشرية يمكن أن يؤدي الدور ذاته لو أخذنا الشيوعية مثالا على أكثر الأيديولوجيات النقيضة للدين ففي مرحلة التطبيق العملي في الاتحاد السوفياتي منذ عام 1917 م وخلال ثلاثين عاما ذهب الملايين ضحية لترسيخ هذا المعتقد بالقوة.
في عام 1937 م صادق ستالين على حكم محكمة الترويكا بإعدام 436 ألف شخص بتهمة التخريب وهي المسمي الذي أطلقه على (مناهضة الشيوعية) وتم تنفيذ الحكم فيهم في ميدان الرماية في ضاحية بوتوفو في موسكو هذا عدا عن مئات الآلاف قضوا في منافي سيبيريا لكن المؤرخين يتفقون على أن عدد الضحايا الإجمالي لما عرف بالتطهير الستاليني يزيد على عشرة ملايين.
في المقابل وخلال عشرات القرون من ترسيخ الدين ابتداء من رسالة موسى عليه السلام وانتهاء باستكماله بالرسالة الإسلامية لم يذهب عشر معشار هذا العدد بسبب أن الدين كان بالدعوة والإقناع ولم يتم اللجوء إلى القتال إلا لحماية حرية الدعاة بنشرها.
على الطرف المعاكس في الأيديولوجيات النقيضة كانت الرأسمالية الأوروبية ليست أقل دموية كونها تعتمد على عنجهية القوة في فرض مبادئها فقد أزهقت أرواح أكثر من 100 مليون إنسان ضحية الحروب في القرن العشرين وحده لم تكن لأي منها علاقة بالدين أو نشر مبادئ المسيحية بل استغلت المسيحية تحت شعار حماية قبر المسيح من قبل السياسيين وأصحاب الأطماع لغرض التحشيد وتسويغ الحروب فأطلقوا عليها مسمى الحروب الصليبية .
وفي العصر الحديث لم يتغير نهجها مع التقدم الذي تدعي أنها حققته في مجال حقوق الانسان وترسيخ مبادئ الديمقراطية ففي حصار العراق وشن الحرب عليه بحجة تخليصه من الاستبداد ذهب أكثر من مليون طفل عراقي ضحية لذلك وعند ما سئلت مارغريت تاتشر عن ذلك أجابت: إنه ثمن معقول لترسيخ الديموقراطية! .
ما أسلفنا ينقض مفهوم الحروب الدينية فلم يطلب الدين ممن أتبعوه أن ينشروه بالقوة ولا أن يكرهوا الناس على اعتناقه من ابتدع ذلك هم معادو الدين أصحاب المصالح المتضررة من تطبيق مبادئه في العدالة والمساواة.
العنف أوجده معادو الدين عند ما أنشأوا حالة من رفض أتباع الرسالة السماوية للتي جاءت بعدها ثم أنشأوا الخلافات المذهبية والطائفية وجاء الطمع بالسلطة ليؤججها فأصبح النفخ في جمر الاختلاف وسيلة السياسيين المفضلة.
ففي أوروبا ذهب ملايين في صراعات الكنيسة الطائفية وفي العالم الإسلامي ما يزال الصراع المذهبي محتدما وعائقا أمام تقدم المجتمع ورخائه.
من معرفة المستفيد من وراء إدامة هذه الحالة نعرف من يؤججها.
نستخلص مما سبق أن مصطلح الحروب الدينية هو مخادعة وتمويه للحقيقة هي الحرب على الدين وهي مستمرة يذكيها الظالمون منذ أن أنزله الله لنصرة المظلومين.
/////
الولايات المتحدة الأمريكية:
إمبراطورية الخراب باسم الديمقراطية
أ.فاتح مومن
لم يعد من الممكن تفسير السلوك الأمريكي المعاصر بمنطق السياسة الدولية التقليدية ولا حتى بمنطق المصالح الكبرى وحده بل أصبح أقرب إلى سلوك إمبراطوري صريح يتجاوز الحدود ويُسقِط السيادة الوطنية ويُخضع العالم لمنظومة قسرية تُدار من واشنطن. فخلف خطاب الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان تتوارى ممارسة استدمارية حديثة أكثر فتكًا من سابقاتها لأنها تتخفّى في ثوب أخلاقي زائف.
لقد أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترف إلا بنوعين من الدول: دولٌ تابعة تُمنح صك الشرعية ودولٌ متمرّدة تُستباح سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وما بين النموذجين تسقط كل القيم التي تدّعي الدفاع عنها.
فنزويلا: حين تُحاكَم السيادة في محاكم الإمبراطورية
يمثّل النموذج الفنزويلي إحدى أخطر لحظات الانحراف في النظام الدولي المعاصر فبدل التعامل مع الخلاف السياسي عبر القنوات الدبلوماسية أو المؤسسات الدولية قررت الولايات المتحدة الأمريكية نقل الصراع إلى داخل منظومتها القضائية وملاحقة القيادة الفنزويلية بل ورئيس الدولة ذاته أمام محاكم أمريكية وكأن واشنطن باتت المحكمة العليا للعالم.
إن محاكمة رئيس دولة ذات سيادة على تراب دولة أخرى خارج أي تفويض أممي أو إطار قانوني دولي ليست مسألة قانونية بل إلغاء فعلي لمفهوم السيادة فهي تعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى نفسها سلطة فوق الدول وأن حدودها الجغرافية هي حدود ولايتها السياسية والقانونية. وهذا سلوك استدماري بامتياز لا يختلف في جوهره عن محاكمات القوى الاستدمارية لشعوب مستدمراتها حين كانت تعتبر نفسها صاحبة الحق الحضاري .
ولم تكتفِ واشنطن بذلك بل فرضت حصارًا اقتصاديًا خانقًا دمّر البنية الاقتصادية الفنزويلية وألحق أضرارًا مباشرة بالشعب ثم استخدمت نتائج هذا الحصار كدليل على فشل النظام هذه المعادلة الاستدمارية القديمة: خنق الدولة ثم اتهامها بالعجز وتنصّيب نفسها وصيًّا على مصيرها.
إيران: حقوق الإنسان المزعومة ذريعة للتدخل العسكري
في الحالة الإيرانية يتجلى الوجه الأكثر وقاحة في الخطاب الأمريكي. فبدل الاكتفاء بالانتقاد السياسي أو الضغوط الدبلوماسية تجاوزت واشنطن ذلك إلى التهديد العلني بالتدخل العسكري المباشر بذريعة حماية المتظاهرين أو الدفاع عن حقوق الإنسان.
هذا المنطق لا يحمل أي بعد إنساني بل يُمثّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية: تحويل الاحتجاجات الداخلية إلى مبرر للتدخل الخارجي. فلو كان هذا المعيار صادقًا لكانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تُدان نظرًا لسجلها الحافل بقمع الاحتجاجات والعنف الشرطي والانتهاكات الموثقة داخل أراضيها وخارجها.
الحقيقة أن واشنطن لا تتحرك دفاعًا عن حقوق الإيرانيين بل تسعى إلى كسر دولة ترفض الخضوع وتُصرّ على امتلاك قرارها السيادي. إن التهديد بالتدخل لا يعكس قوة أخلاقية بل ذهنية استدمارية ترى أن تغيير الأنظمة حق حصري للإمبراطورية.
روسيا: البحار تحت الوصاية الأمريكية
أما في علاقتها مع روسيا فقد نقلت الولايات المتحدة الأمريكية منطق الهيمنة إلى أعالي البحار. فاعتراض الغواصات الروسية وملاحقة ناقلات النفط والتضييق على حركة السفن كلها ممارسات تُفرغ مفهوم حرية الملاحة الدولية من محتواه الحقيقي.
لقد تحوّلت البحار التي يُفترض أنها فضاء مشترك يخضع للقانون الدولي إلى مناطق نفوذ تُدار بعقلية إمبراطورية. فحرية الملاحة تصبح مقدسة حين تخدم المصالح الأمريكية ومحرّمة حين تمسّ خصومها. وهذا السلوك يعيد إنتاج منطق السيطرة على طرق التجارة والطاقة وهو من أقدم سمات الإمبراطوريات عبر التاريخ.
من أفغانستان والعراق إلى سوريا وغزة: سجل لا يُمحى
من أفغانستان والعراق إلى سوريا وغزة يتشكّل خطٌّ متصل من الجرائم والسياسات التي تفضح الجوهر الحقيقي للمشروع الأمريكي في العالم. ففي أفغانستان لم يكن الاحتلال مشروع تحرير ولا بناء دولة بل تجربة قاسية لتحويل بلد كامل إلى مختبر عسكري وأمني. عشرون عامًا من القصف والاغتيالات والسجون السرية وانتهاك السيادة انتهت بانسحاب مهين ترك وراءه دولة مدمَّرة ومجتمعًا مفككًا وجيلًا لم يعرف من الديمقراطية سوى الطائرات المسيّرة.
أما العراق فهو الجريمة المؤسِّسة للإمبراطورية الأمريكية المعاصرة. غزوٌ عسكري بُني على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل أُسقطت فيه الدولة وليس نظام صدام حسين فقط وحُلّ الجيش وفُكّكت المؤسسات وزُرعت الطائفية كأداة حكم فلم يكن الهدف إذن إسقاط ديكتاتورية بل تحطيم دولة مركزية وتحويلها إلى ساحة فوضى دائمة تُدار عن بُعد.
وفي سوريا اتخذ التدخل الأمريكي طابعًا أكثر دهاءً لكنه لا يقل تدميرًا وفتكا عما وقع في العراق فبدعوى دعم الشعب ومحاربة الإرهاب ساهمت واشنطن في إطالة أمد الحرب ومنعت أي تسوية حقيقية وشاركت في تفكيك الجغرافيا السياسية ونهب الثروات الوطنية وعلى رأسها النفط والقمح في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
ثم تأتي غزة بوصفها الذروة الأخلاقية لانهيار الخطاب الأمريكي. فالتدمير الشامل والإبادة الجماعية وقتل المدنيين واستهداف المستشفيات والمدارس والتجويع الممنهج جرى ويجري تحت رعاية أمريكية مباشرة فالسلاح أمريكي والغطاء السياسي أمريكي و الفيتو أمريكي فلم تكن واشنطن وسيطًا منحازًا ل إسرائيل بل كانت شريكًا وضامنًا لاستمرار الجرائم في حق الانسانية.
فالولايات المتحدة الأمريكية في النهاية لا تدعم الديمقراطية ولا تحمي الليبرالية ولا تنشر حقوق الإنسان بل اصبحت إمبراطورية حديثة استدمارية في الجوهر توسعية في السلوك تُدمّر الدول باسم إنقاذها وتقتل الشعوب باسم حمايتها وتُفرغ القيم الإنسانية من معناها الحقيقي ثم إن أخطر ما في هذه الإمبراطورية ليس قوتها العسكرية فحسب بل قدرتها على تسويق الخراب بوصفه مشروعًا أخلاقيًا والهيمنة بوصفها فضيلة. وما لم يُواجَه هذا النموذج فإن العالم سيظل رهينة منطق القوة لا عدالة القانون.
/////
بين الانتقام والعدالة:
هل تستطيع سورية تحقيق عقد اجتماعي موفق؟
أ.صافي محمد مظهر أحمد
منذ اندلاع الثورة السورية ظل سؤال العدالة حاضرًا بوصفه جوهر الصراع ومعناه العميق لا كمطلب قانوني مجرد بل كقضية كرامة وذاكرة ووجود. ومع امتداد السنوات وتراكم الجرائم وغياب أي أفق حقيقي للمحاسبة برزت فكرة الانتقام الثوري في الوعي العام بوصفها ردًا غاضبًا ومفهومًا على حجم المأساة. غير أن السؤال الأهم اليوم لم يعد إن كان هذا الشعور مبررًا بل إن كان قادرًا على إنتاج مستقبل مستقر أم أنه سيقود سورية إلى إعادة إنتاج العنف بصيغ أكثر تفككًا وخطورة.
نشأ الميل إلى الانتقام الثوري في الحالة السورية من أسباب متداخلة يصعب فصلها عن الواقع القاسي الذي عاشه السوريون. فقد اتسمت الجرائم المرتكبة بطابع ممنهج وواسع النطاق شمل التعذيب في السجون والقتل الجماعي والحصار والتجويع وتدمير مدن كاملة وصولًا إلى استخدام أسلحة محرمة دوليًا. ترافق ذلك مع انهيار كامل للثقة بالقضاء الوطني الذي فقد استقلاله وتحول إلى أداة في يد السلطة ومع غياب دولة بديلة قادرة على فرض القانون أو إدارة مسار محاسبة حقيقي. كما أسهم طول أمد الصراع في تحويل الألم إلى غضب متراكم وفي ترسيخ شعور واسع بأن الزمن يعمل ضد الضحايا لا لصالحهم وأن الإفلات من العقاب أصبح قاعدة راسخة. في هذا السياق بدا الانتقام لدى كثيرين تعويضًا نفسيًا عن عدالة غائبة ومحاولة لاستعادة كرامة مسلوبة.
غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن الانتقام حين ينتقل من مستوى الشعور الإنساني إلى مستوى السياسة العامة لا يبقى أداة قصاص بل يتحول إلى منطق حكم. فهو لا يميز بدقة بين المسؤول والتابع ولا بين الجريمة الفردية والانتماء الجماعي ويفتح الباب أمام عقوبات جماعية وثأر متبادل سرعان ما ينقل الصراع من مواجهة مع نظام استبدادي إلى صراع داخل المجتمع نفسه. وعند هذه النقطة يفقد العنف معناه الأخلاقي ويغدو دورة مغلقة تنتج سلطات جديدة لا تحكم بالقانون بل بالخوف وتعيد إنتاج جوهر الاستبداد وإن تغيّرت شعاراته.
في هذا السياق تبرز تجربة نيلسون مانديلا بوصفها نموذجًا تاريخيًا بالغ الدلالة. مانديلا خرج من سبعة وعشرين عامًا من السجن في ظل نظام عنصري مارس الإقصاء والقتل والإذلال بصورة ممنهجة وكان يمتلك شرعية أخلاقية وشعبية تخوّله اللجوء إلى الانتقام دون أن يُدان. لكنه أدرك أن العدالة المبنية على الانتقام لا تؤسس دولة وأن العنف مهما كان مبررًا لا يصنع عقدًا اجتماعيًا جديدًا. لذلك رفض العفو الشامل كما رفض العقاب الجماعي واختار مسار العدالة الانتقالية عبر لجنة الحقيقة والمصالحة حيث غدت الحقيقة شرطًا للمسامحة والاعتراف العلني بالجريمة مدخلًا لتحمل المسؤولية لا وسيلة للإفلات منها.
لم تكن تجربة مانديلا تسامحًا ساذجًا ولا تنازلًا عن حقوق الضحايا بل محاولة واعية لنقل المجتمع من منطق الثأر إلى منطق القانون ومن ذاكرة الدم إلى ذاكرة الاعتراف. فقد وُثّقت الجرائم وكُسرت قدسية الجناة وحُفظت كرامة الضحايا وفي الوقت نفسه جرى تجنيب البلاد حربًا أهلية كانت شبه مؤكدة لو سلكت طريق الانتقام. بهذا المعنى لم تكن العدالة الانتقالية بديلًا عن العدالة بل شكلها الممكن في لحظة تاريخية شديدة الهشاشة.
السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت سورية قادرة على استلهام هذا المسار. من الواضح أن السياق السوري أكثر تعقيدًا مع غياب انتقال سياسي منظم وتعدد مراكز القوة وانتشار السلاح وتدخلات خارجية عمّقت الانقسام المجتمعي. كما أن مستوى العنف الذي شهدته سورية جعل الجراح أعمق وأطول أمدًا. إلا أن هذه الاختلافات لا تلغي جوهر الدرس بل تؤكد أن البديل عن العدالة الانتقالية ليس العدالة الكاملة بل الفوضى الدائمة أو الاستبداد المتجدد. في هذا الإطار يبرز وعي الرئيس أحمد الشرع بخطورة المرحلة بوصفه عاملًا حاسمًا في توجيه المسار العام. فقد حرص في مواقفه وخطابه السياسي على تجنب منطق الثأر والتنبيه إلى مخاطره على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي مؤكدًا أن سورية الخارجة من حرب مدمرة لا تحتمل فتح جبهات داخلية جديدة. هذا الوعي تُرجم في تبني مقاربة تقوم على العدالة الانتقالية بوصفها خيارًا واقعيًا ومتدرجًا لا كاستنساخ لتجارب أخرى بل كمسار يتكيف مع الخصوصية السورية ويوازن بين حق الضحايا في المحاسبة وحاجة المجتمع إلى الاستقرار ومنع الانزلاق نحو انتقام جماعي يهدد وحدة البلاد.
إن فرض الانتقام الثوري في سورية كخيار سياسي لن يؤدي إلى إنصاف الضحايا بل سيحوّلهم إلى وقود لصراعات جديدة ويقود إلى خلط الجناة الحقيقيين بآلاف الأفراد الذين ارتبطوا بالنظام بحكم الخوف أو الحاجة لا بحكم القرار. ومع الوقت ستجد أي سلطة قائمة على الانتقام نفسها مضطرة إلى توسيع دائرة العنف لحماية ذاتها فتفقد شرعيتها الأخلاقية والسياسية وتتحول إلى نسخة أخرى من السلطة التي ثار الناس ضدها.
إن استلهام نموذج مانديلا في سورية لا يعني نسخه حرفيًا ولا يفترض توفر شروط مثالية غير موجودة لكنه يعني تبني منطقه الجوهري: لا عفو بلا حقيقة ولا مصالحة بلا محاسبة ولا دولة دون كسر حلقة الانتقام. فالعدالة الانتقالية بما تتضمنه من محاسبة لمرتكبي الجرائم الكبرى وكشف للحقيقة وجبر للضرر وضمانات لعدم التكرار ليست خيارًا أخلاقيًا فقط بل ضرورة سياسية لبقاء المجتمع والدولة معًا.
إن الانتقام قد يبدو أقصر الطرق لإشباع الغضب لكنه تاريخيًا أثبت أنه الأطول والأكثر كلفة. أما العدالة مهما بدت بطيئة وناقصة فهي وحدها القادرة على تحويل الألم إلى ذاكرة والذاكرة إلى وعي والوعي إلى أساس لدولة مستقبلية قادرة على توحيد المجتمع وصون الحقوق وضمان الاستقرار السياسي وفتح المجال لمصالحة وطنية حقيقية تبني على القانون والسيادة والمصلحة الوطنية العليا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.