بقلم: صبحي حديدي خلال حوار مع صحيفة نيويورك تايمز نُشر مؤخراً أسهب الروائي التركي أورهان باموق (نوبل الآداب 2006) في وصف معركة كابوسية باهظة التكاليف حسب توصيفه خاضها دفاعاً عن روايته الشهيرة متحف البراءة 2008 ضدّ اقتباسها لمسلسل متلفز اقترحته شركة نتفليكس وجد باموق أنه غير أمين للأصل. المعركة استغرقت 6 سنوات ومرّت بمحطة حاسمة سنة 2022 حين صدر حكم لصالحه في محاكم كاليفورنيا ومحطة أخيرة راهنة تُوّجت بالاتفاق مع نتفليكس حول إنتاج الرواية في 9 حلقات صادق باموق على كلّ صفحة في السيناريو وعُرضت الحلقة الأولى قبل أيام. وثمة مفارقة ذات دلالات متشعبة الأبعاد اقترنت على الدوام برواية باموق: أنه رغم غزارة إنتاجه وقرابة ال 20 رواية تلتقط روحية مدينة إسطنبول عمقياً وليس سطحياً وكونه أوّل كاتب تركي يفوز بنوبل الآداب ظلّ بمنأى عن الإقبال الشعبي الواسع المنتظَر وربما المستحقّ في قليل أو كثير. وتلك حال لا تنسحب على القارئ القياسي العريض الذي يمثل شرائح القراءة المعيارية لأعمال الإبداع عموماً فحسب بل تشمل أيضاً -وذاك قسط خاصّ في الغرابة- نماذج القراء المقبلين على أعمال كتّاب المعارضة أو ممثلي تيارات ليبرالية أو يسارية أو مدافعة عن حريات التعبير والحقوق المدنية. البعض يفسّر هذه المفارقة بسلسلة خصوصيات أسلوبية تطبع كتابة باموق إجمالاً في مستوى البناء السردي أو الخيارات الفنية أو تركيب الفصول وتطوير الحبكة وعدد الصفحات ( متحف البراءة مثلاً تقع في نجو 600 صفحة) وكذلك ولعله حافز العزوف الأبرز الجملة الطويلة المسترسلة المشربكة كما في التعبير المحكي الشائع التي تدفع إلى عسر في القراءة إذا لم تستحثّ التعب والملل. ومن عجب لأنّ الأمر لا يدخل حقاً في باب المسلّمة المنطقية أنّ أساليب روائيات وروائيين أتراك معاصرين أمثال إليف شفق وآيفر تونش أو كلاسيكيين على غرار أحمد رفيق ألتيناي وأحمد حمدي تانبينار ليست سهلة أو ميسّرة ولكنها لم تشكل عائقاً أمام الشعبية والانتشار. في وجهة أخرى لمعادلة التصادم ثمّ التفاهم بين باموق الروائي ونتفليكس شركة الإنتاج السينمائي والتلفزي وبصرف النظر عن مقادير الإصرار أو التنازل من الجانبين بصدد نصّ الرواية مقابل سيناريو المسلسل فإنّ من غير المستبعد أن تكون شعبية باموق أو بالأحرى: البحث عن علاج لمحدودية هذه الشعبية على المحكّ مباشرة في حسابات الروائي والشركة حتى إذا لم تكن على قدم المساواة تماماً بين الصيت الأدبي والأرباح المالية. وكلّ هذا بمعزل عن أو من دون ترجيح كفّة المستوى الفني للمسلسل من خلال الحلقة الأولى فيه وهذه سطور لا تزعم أيّ علم في تثمين هذه الأعمال إذ لا تتابع نماذجها أصلاً. بهذا المعنى صحيح بالطبع أنّ باموق يحظى بشهرة عالمية ومؤلفاته مترجمة إلى لغات عديدة كما أنّ متحف البراءة تحديداً تحتل مكانة خاصة بالنظر إلى اقترانها بمتحف فعلي أنشأه باموق في مدينة إسطنبول ويحمل الاسم ذاته. صحيح في المقابل أنّ معركته القانونية مع نتفليكس لحيازة اقتباس أفضل من وجهة نظره لرواية إسطنبولية بامتياز تقطع موشورات تركية/ تركية طبقية وسياسية وأخلاقية وشعورية عالية التداخل والتعقيد هي أقرب إلى حملة علاقات عامة في صلب حروب البحث عن ميادين أرقى لاستقبال أعمال الأدب الشاقة: حسب الذائقة التركية تحديداً أكثر من ذائقات كونية هائلة الاتساع تبلغها نتفليكس عادة. وثمة هنا ما يفتح كوى سجالية على مسألة الاقتباس ما بعد الكولونيالي في ضوء أدوات التحليل البارعة والمنهجيات التفكيكية الجسورة التي اقترحها ويواصل تطويرها باحثون لامعون من أبناء المستعمرات السابقة ضمن كتلة أعرض استقرت تحت مسمى الدراسات ما بعد الاستعمارية. أعمال سينمائية رفيعة وأخرى اتخذت صيغة التمثيلية أو المسلسل انكبت على إعادة تمثيل المناخات الإمبراطورية مقتبسة من الرواية الإنكليزية الفكتورية خصوصاً وفي نتاجات هوليود أكثر من سواها مع تقدّم ملحوظ أخذت نتفليكس تستأثر به حيث تمتزج جاذبية النصّ الأدبي بمتعة المسلسل المتلفز. وللمرء أن يضيف إدخال (أم هو إقحام من نوع ما؟) إلى كلاسيكيات الأدب في ألعاب الفيديو أو استعراضات الهواء الطلق فضلاً عن الأوبرا والباليه والموسيقى. ولأنّ إغواءات شتى تنطوي عليها التنميطات الاستشراقية المستقرّة في المخيّلة الناظمة لهذه الثقافة أو تلك يمكن أن تتآخى أو تتكامل أو حتى تتقاطع مع الأجواء الإسطنبولية/الشرقية التي ترصدها روايات باموق و متحف البراءة خصوصاً فإنّ حروب الذائقة تدور هنا أيضاً في وطيس ساخن مشحون بمظانّ الماضي وظنون الحاضر. وهذا في ترجيح تأويلي آخر للكوابيس التي أشار إليها باموق واحد من ميادين أخرى عديدة متنوعة تُجتذب إليها الذائقة أو تُستلب خلالها مكوّنات في قلب الذاكرة الجمعية صانعة للإقبال أو الإدبار إزاء أعمال الأدب مقروءة في كتاب أو مرئية في مسلسل. وقد لا تخفى عند هذا الطور الفارق من التلقّي التركي لأدب باموق عبر نتفليكس أنّ الرجل من أهل الحنين إلى النيو عثمانية وهو الآن ذاته ناقد لشخص مصطفى كمال أتاتورك وسياسات رجب طيب أردوغان في آن معاً!