أصبحت الشاشات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، نافذة على العالم كله، وبذلك لم يعد الحلم التقليدي للشباب مرتبطا، اليوم، بوظيفة مستقرة، أو مسار مهني طويل، بل تحول لدى الكثيرين، بشكل لافت، نحو البحث عن الظهور، والانتشار السريع عبر المنصات الرقمية، في ظاهرة لم تعد غريبة، أو منعزلة؛ إذ باتت الشهرة هدفا في حد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق نجاح أكبر. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل، منها التطور التكنولوجي، وسهولة الوصول الى الجمهور، وتغير معايير النجاح في المجتمع، وحتى سرعة الربح؛ فاليوم يكفي نشر مقطع قصير لا يتجاوز ثواني حتى يصبح صاحبه حديث الناس، ويحقق أرقاما كبيرة في المتابعة والأرباح، وهو ما جعل الكثيرين يعيدون النظر في تعريف معنى النجاح، والقيمة الاجتماعية. وعند التمعن أكثر في هذه الظاهرة، نجد أن منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيكتوك" أو "انستغرام"، قد ساهمت، بشكل كبير، في تسريع هذا التوجه، حيث تعتمد على خوارزميات تدفع بالمحتوى السريع والمثير للانتباه، الى واجهة المشاهدة، ما يمنح الفرصة لأي شخص بأن يصبح مشهورا بين ليلة وضحاها. لكن هذا الطريق السريع نحو الشهرة لم يكن دائما مرتبطا بالمحتوى الهادف أو القيم الإيجابية، بل في كثير من الحالات أصبح مرتبطا بما هو صادم، أو سطحي، أو حتى مثير للجدل. وأقل ما يمكن القول عن محتويات أخرى إنها تافهة، ولا علاقة لها بالقيم المجتمعية، التي كان من المفروض أن تكون رسائل تُلقى للمجتمع لاستهلاكها دون المس بالعادات وقيم المجتمع. كل ذلك فقط من أجل جذب الانتباه، وهذا كله يؤكد أن الشهرة الرقمية تحولت من فرصة عمل ودليل نجاح، الى هوس يغير سلوك الشباب، ويؤثر على القيم المجتمعية. وفي حديث "المساء" مع المختصة في علم الاجتماع عبير براهيمي، أكدت أن "ما نراه اليوم ليس مجرد موجة عابرة، بل انعكاس لتحولات عميقة في بنية المجتمع"، مردفة: " إن الشباب في مراحل سابقة كانوا يبحثون عن الاعتراف الاجتماعي من خلال الدراسة، والعمل، والإنجاز. أما اليوم فقد أصبح الاعتراف يقاس بعدد المتابعين، وعدد الإعجابات بالفيديوهات عبر تلك المنصات"، مؤكدة أن "هذا التحول خلق نوعا من الضغط غير المباشر، يدفع الشباب الى تقليد ما يحقق الانتشار، وذلك بغض النظر عن قيمته". وأضافت أن "المنصات الرقمية تعزز هذا السلوك من خلال مكافأة المحتوى الذي يثير التفاعل حتى لو كان سطحيا، أو تافها، ولا قيمة له، ولا يعطي أي قيمة مضافة لقيم المجتمع، أو حتى له محتوى هادف أو نافع". كما أشارت الى أن "بعض الشباب أصبح يرى في الشهرة الرقمية طريقا مختصرا لتحقيق دخل دون الحاجة الى مسار تقليدي طويل، وهو ما يجعل البعض يقبل بتقديم محتوى قد لا يعكس شخصيته الحقيقية، أو قيمه، فقط من أجل تحقيق الانتشار، والربح. وهنا تظهر مشكلة فقدان الهوية، إذ إن ذلك يجعل الفرد أسير صورة رقمية يحاول الحفاظ عليها مهما كان الثمن". ومن جهة أخرى، "لا يمكن إنكار أن هذه المنصات فتحت أبوابا جديدة للإبداع، والتعبير"، تضيف محدثة "المساء" ؛ فقد نجح، حسبها، من خلال هذه المنصات كثير من الشباب في بناء مسارات مهنية حقيقية، وحتى بمحتويات هادفة، وجيده، "لكن المشكلة ليست في الوسيلة نفسها، بل في طريقة استخدامها، وفي المعايير التي تحكمها؛ فحين تصبح التفاهة وسيلة أسرع للوصول من الجهد الحقيقي، يحدث خلل في منظومة القيم، ويصبح من الصعب إقناع الشباب بأهمية العمل الجاد"، تشدد الخبيرة. وأكدت المتحدثة على ضرورة التوعية بدور العائلة، والمدرسة، والإعلام في توجيه الشباب نحو استخدام واع للمنصات الرقمية، مع أهمية تنظيم هذا العالم لكبح محاولات المساس بالقيم المجتمعية؛ من خلال تلك المحتويات التافهة والبعيدة عن القيم، وكذلك تعزيز فكرة أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالأرقام، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في مجتمعه.