تبسة.. العثور على جثة ستيني في حمام    دحمون: تسوية وضعية أكثر من 400 ألف من أصحاب عقود ما قبل التشغيل خلال 3 سنوات القادمة    الجيش يتدخل لمساعدة المواطنين وفك العزلة عن المناطق المتضررة    حاضنة ولائية ببومرداس تعنى بأفكار الشباب الجامعي    المقاولون مطالبون بالإسراع في إنجاز السكنات    مولودية الجزائر تفوز على أهلي برج بوعريريج    تتويج المنتخب الوطني باللقب    قوجيل يدعو كل الجزائريين للمشاركة بقوة في الانتخابات الرئاسية    أمطار غزيرة بولايات الوسط والغرب اليوم    مجلس قضاء ومحكمة سطيف يؤجلان القضية إلى أول ديسمبر المقبل    كمال الدين شيخي يتسلم مهامه رئيسا مديرا عاما لسوناطراك    مسيرة شعبية حاشدة تأييدا للجيش والمسار الانتخابي بمعسكر    التّوفيق والخذلان.. أسرار وآثار    تأهل البرتغال وأوكرانيا لنهائيات أمم أوروبا    بلماضي يرد على بن زيمة: لدي بونجاح، سليماني وديلور    إطلاق قطار جديد بين عنابة وبرج بوعريريج    الندوة الدولية لمجلس الشيوخ الفرنسي: نحو تكثيف الجهود لحماية موارد الشعب الصحراوي لحين نيل استقلاله    المرشد الإيراني علي خامنئي يدعم قرار رفع أسعار البنزين في إيران    مشاورات صعبة تنتظر الحبيب الجملي    قوجيل: إنتخابات 12 ديسمبر هي بداية بسط الشعب الجزائري سيادته على البلاد    تبون يختار رئيس ديوان حكومة سيفي وسلال مديرا جديدا لحملته الانتخابية    الخضر على موعد تاريخي في بوتسوانا    الجوية الجزائرية: تحويل الرحلات الداخلية إلى النهائي1 هذا الاثنين    بشار تهتز على وقع هزة أرضية بقوة 5 درجات على سلم ريشتر بالمغرب    براهيمي ينال جائزة لاعب الشّهر في الدّوري القطري    إنقاذ عائلة من موت محقق بقسنطينة    مؤسسة القصبة: إحصاء 330 بناية مهددة بالانهيار في قصبة الجزائر    أسماء جزائرية جمعت في مقارباتها العلمية بين الفلسفة والتصوّف    «الخضر» .. عزم على مواصلة الانتصارات والحفاظ على الصّدارة    جيشنا في “العلالي”    ما ذنبهم ..؟    فيكا ال10: عرض وثائقي "نار" في ختام المهرجان    رئيسة بوليفيا المؤقتة تلتقي المبعوث الأممي لبحث الأزمة السياسية بالبلاد    الجيش الوطني الشعبي يتدخل لفك العزلة عن المناطق التي شهدت تساقطا للثلوج بتلمسان    دعا المواطنين للمساهمة في انجاحها    "أيها الصحفي الطيب.. شكرا لك"    «الثلج» يزين شوارع وهران للحظات معدودة    «الميثاق، سيشكل سندا قانونيا لمساعدة الجزائر على الخروج من الأزمة»    في‮ ‬الذكرى ال31‮ ‬لإعلان قيام الدولة الفلسطينية    المنتخب الوطني‮ ‬سيلعب على أرضية كارثية    تزامناً‮ ‬واليوم العالمي‮ ‬لداء السكري    في‮ ‬ولايات الجنوب    ارتياح الفلاحين    مشاركة 50 متعاملا اقتصاديا وطنيا وأجنبيا    لعبة بصرية لانتقاد الإنسان المعاصر    «أطمح إلى التعريف بالشخصيات الجزائرية التي لم تأخذ حقها»    تشقق جدران المحلات والمدرجات بعد سنة من التسليم    مداخلات حول دور الاتصال في تحسين العلاج    تسجيل 5 حالات جديدة يوميا    تثمين الدور الفعال للمرأة    شارلي شبلن.. ذكرى جميلة لأيقونة عالمية    11 فرقة مسرحية في موعد وادي سوف    تطبيق إلكتروني يحل المشكلات العاطفية    تركته حبيبته.. فانتقم ب 5 قتلى    أليس لنا من هم إلا الكرة..؟!    الدِّين والازدهار الاقتصاديّ    شاب بلجيكي يعتنق الإسلام وينطق بالشهادتين    123 أجنبي يعتنقون الإسلام إلى غاية أكتوبر المنصرم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كتاب وأكاديميون يناقشون محنة هذا الفن
نشر في النصر يوم 06 - 01 - 2014

القصة القصيرة في الجزائر.. أسباب خفوت
هل خفت بريق القصة القصيرة في الجزائر، ولم يعد لها وهجها الذي لازمها لسنوات كثيرة مضت؟، إذ في الأعوام الأخيرة لا نكاد نسمع لها حسا ولا نرى لها حضورا لا في معارض الكِتاب ولا على رفوف المكتبات. أصبحت الرواية سيدة الحضور والمعارض والتتويجات. أين هي القصة القصيرة يا ترى؟، وهل القول بموتها حقيقة أم فقط ذر كلام هنا وهناك بعيدا عن واقع الحال وواقع القصة. وهل الوفاء للقصة أصبح من قبيل الوهم؟. ومن جهة أخرى لماذا موقف النقد منها غير مبالٍ ودونا عن بقية الفنون الأدبية الأخرى يتجاهلها ولا يلتفت إليها؟، وهل تجاهل النقد لهذا الفن ساهم في تقهقره وخفوته. في ظل كل هذا ورغم التجاهل الذي يلحق بها من طرف النقاد والقراء والناشرين على حد سواء، هل من مستقبل واضح المعالم لفن القصة القصيرة في الجزائر؟. بعض كُتاب القصة وبعض النقاد والأدباء يتحدثون عن هذه المحاور لكراس الثقافة.
إستطلاع/ نوّارة لحرش
السعيد بوطاجين/ كاتب وناقد ومترجم
القصة القصيرة ليست في برنامج القوى التي تصنع الأدب وتنمَطه
يجب الإشارة إلى أن العالم تحكمه قوى لها منطقها في التعامل مع الأشياء جميعها، بما في ذلك الإبداع. ولا يمكن الحديث عن الكتابة الحالية إلاَ كصناعة، مثلها مثل صناعة القراءة والذوق وتوجيههما وفق مقاصد تخدم جهات قد لا تكون لها علاقة بالأدب. ما نسميه اليوم حداثة ليس إلاَ نتاج مخابر وجماعات وزمر تريد فرض نموذج وتدويله، على حساب الإبداع في حدَ ذاته، وعلى حساب استقلالية الكاتب وقناعاته الحقيقية. ومن حسن حظ الكتَاب الكلاسيكيين الكِبار أنهم ماتوا قبل هذا الوقت.
القصة القصيرة، كما الشعر، والمسرح إلى حدَ ما، والرسم والنحت، وأجناس أخرى، ليست في برنامج هذه القوى التي تصنع الأدب وتنمَطه. وأمَا النقد فعادة ما يكون تابعا للأغلبية، أي للخيار المُهيمن، بصرف النظر عن مصداقيته الفنية والجمالية. لنقل إن الأجناس الأدبية أصبحت سلعة كبقية السلع الأخرى، وموضة كأي موضة، كتسريحة الشعر واللباس والحذاء وأدوات الزينة. وقد يلعب الإعلام والإشهار والأموال والعلاقات والأوهام والمصالح أدوارا خطيرة في توجيه الناس إلى جنس أدبي ما.
أتصوَر أن القصة القصيرة والقصيدة هما من أقرب الفنون التي يمكن التعامل معها في عصر السرعة والشطيرة، بيد أنَ تزكية الرواية أمر يبدو لي مفارقا للمنطق، خاصة في الوطن العربي الذي تؤكد الإحصائيات بأنه عالم لا علاقة له بالكتاب. كيف لمواطن لا يقرأ صفحة في الشهر أن يقرأ رواية من ألف صفحة؟ لقد حاولت أن أفهم هذه المفارقة المعقدة بالعودة إلى طبيعة الجامعات وشبكات التواصل الاجتماعي والاستبيانات، لكني لم أصل إلى نتيجة. هناك قضايا لا يمكن تفسيرها لأنها فوق التحليل، وفوق القدرات العقلية.
أشير إلى أمر آخر مرتبط بالدعاية وعلاقتها بالأموال، وتحديدا في الحالة العربية، دون أن ننفي ذلك عن العالم الغربي الذي يسيرنا وفق مشيئته. الدعاية، مثلها مثل الإشهار، قد ينحازان إلى القوَة، وليس إلى الجودة، كما أنهما يسهمان بشكل كبير في ضبط الذائقة وتقنينها، وفي حصر القراءة والموقف. هناك دراسات تؤكد على أنَ هناك جهودا كبيرة تبذل هنا وهناك للاستيلاء على الخيال، أو لاستعماره بمنظومة من الصور والعلامات. لذا فإن المفاضلة قد لا تكون خيارا، بل شكلا إملائيا عابرا للقارات يتمَ تصديره للضرورة.
القصة القصيرة إذن، كما الشعر، يتحركان في هذه الدائرة التي تريد صناعة قارئ خاص، مع أن الواقع التاريخي لا يمكنه أن يمحوَ قاصا من نوع أنطوان تشيكوف، أو عزيز نسين التركي، أو السوري زكريا تامر، أو الطاهر وطار في الجزائر. وما ينسحب على القصة القصيرة ينسحب على القصيدة. قد تساوي قصيدة واحدة لمحمود درويش أو مظفر النواب أو أحمد مطر أو نزار قباني عشرات الروايات المليئة بالصداع والفراغ والعجز.
أزعم أني أحاول متابعة الحركة الأدبية، لكنَي أعتمد في التقييم على أمر واحد ووحيد: الجودة في علاقتها بالجهد والخصوصية. ولا أتصوَر أن الرواية الفاشلة أفضل من شعر طاغور، أو من مسرحيات شكسبير، أو من قصص تشيكوف، أو من لوحات سلفادور دالي، أو من موسيقى باخ. كل شيء في محله. أمَا أن نرغم الموهبة على القيام بما لا تستطيع القيام به، فهذا مفسدة. وهذا ما يحدث في البلاد العربية: الاسكافي الجيد يريد أن يكتب رواية رديئة، والإمام المتفوَق يسعى إلى أن يكون وزيرا فاشلا، مع أنَ العبقرية لا تحكمها القوانين والدعاية، لأنها فوقهما. أن أقرأ قصة قصيرة جيدة أفضل لي من أن أضيع وقتي مع رواية لا تقول شيئا. هذا منطقي في التعامل مع الإبداع: الجهد والجودة، لا غير.
مرزاق بقطاش/ كاتب وناقد
دُور النشر لا تهتم كثيرا بطبع المجاميع القصصية لأسباب تجارية
ما عدت متابعا لحركة الإبداع عندنا في الجزائر، والسبب هو أنني لا أقوى على المطالعة مثلما كنت من قبل، ولذلك يصعب علي الحكم على وضعية القصة القصيرة عندنا. وأيا ما كان الأمر، فأنا أومن بأن عنصر السرد سيظل موجودا طالما وجد الإنسان على سطح هذا الكوكب، وبمعنى آخر، سيظل الكُتاب القصصيون في حاجة إلى أن يحكوا همومهم الفكرية في قوالب معينة، قد يكون للرواية النصيب الأوفر في هذا الشأن. أنا، فيما يخصني، ما زلت أكتب القصة القصيرة، وقد فرغت هذه الأيام من كتابة عشرين قصة قصيرة. وكنت خلال السنة الفارطة قد نشرت مجموعة تحت عنوان "آخر القعدات". المهم في نظري هو الكتابة، وليس سوى الكتابة. أنا لا ألتفت مطلقا إلى ما يقوله النُقاد وما قد يكتبونه. النُقاد لا يحيون أرضا مواتا هذا إذا اعتبرنا أن القصة القصيرة تدحرجت من عليائها في هذه الجزائر. الوضع الذي نعيشه في هذا المضمار شبيه بوضع الأدب الفرنسي الحديث. دُور النشر لا تهتم كثيرا بطبع المجاميع القصصية وذلك لأسباب تجارية، وحتى وإن كان المؤلف مشهورا فإنها قلما تلتفت إلى إبداعه القصصي. في مطالع الألفية الثالثة سعت صحيفة "لوموند" العريقة إلى شحذ همم كُتاب القصة القصيرة، فنشرت على مدى ثلاثة أشهر كاملة عددا من القصص القصيرة بأقلام كُتاب مخضرمين ومبتدئين لكن لم يتغير شيء في مضمار الإبداع القصصي. قد يكون للسينما دور في هذا الشأن. السينما قلما تلتفت إلى القصة القصيرة، وهي تفضل الرواية الطويلة مما يدعو الكُتاب القصصيين إلى العزوف عن المغامرة في بحرها. وفي الولايات المتحدة يحدث العكس تماما. أدباء أمريكا على اختلاف مشاربهم يجمعون بين الكتابة الروائية وكتابة القصة القصيرة. هناك العديد من المجلات الأدبية المتخصصة في نشر القصة القصيرة، في الجامعات وغيرها. وهناك مدارس لتعليم كتابة القصة القصيرة تحت إشراف أدباء مشهورين. وهناك أيضا مسابقات عديدة لفن القصة القصيرة. ثم إن السينما الأمريكية كثيرا ما توظف تلك القصص وتخرجها، إما في شكل مسلسلات مترابطة فيما بينها، وإما في شكل "اسكتشات" يشارك في إنجازها سينمائيون كبار. لا أحب أن أكون قاسيا حيال أهل النقد عندنا، ولكني أقولها صراحة: أنا لا يهمني مطلقا ما يكتبه هذا الناقد أو ذاك. المهم هو السرد، ثم السرد، سواء أكان في شكل قصة قصيرة أم في شكل رواية عادية، أم في شكل رواية نهرية.
محمد مفلاح/ كاتب ومؤرخ
القصة ستعود بقوة بسبب النت والمواقع الالكترونية وظروف هذا العصر المتميز بالسرعة
أعتقد أن الوقت مناسب لطرح هذا التساؤل عن مستقبل القصة القصيرة وبخاصة هذا الزمن الذي كثر فيه الحديث عن الرواية والدعاية لكُتابها فقط. بعد خفوت بريق القصة القصيرة في الجزائر، والتي لم تعد متصدرة المشهد الأدبي كما كانت في الماضي القريب، ولكن هذا الوضع لا يعني أنها ماتت وأن زمنها قد انتهى إلى الأبد. فإذا تأملنا حياتنا الأدبية منذ السبعينيات التي شهدت ظهور الرواية العربية، نجد إن كتابة القصة القصيرة وبسبب حجمها الصغير الذي يسمح للجرائد بنشرها بسرعة، كانت تستهوي كل أديب ناشيء، ولما يشتد عوده ينتقل هذا الكاتب إلى الرواية التي تسمح بالمغامرة في عالمها الرحب. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل أديب يتميز بموهبة روائية، فيظل يزاوج بين القصة والرواية. وجل أدباء السبعينيات كانوا مغرمين بكتابة القصة بسبب المنابر الثقافية وبخاصة المجلات والجرائد التي كانت ترعاها المؤسسات الرسمية. وما يلاحظه كل متتبع لهذه الحركة الأدبية أن هؤلاء الأدباء تخلوا عن كتابة القصة القصيرة وخصصوا كل جهودهم للرواية فقط، وحتى كُتاب الجيل اللاحق الذين نشروا مجاميعهم القصصية في التسعينيات تخلوا بدورهم عن كتابة القصة ومالوا إلى الرواية.
وبانحسار مساحات الصفحات الثقافية بالجرائد التي ينافسها اليوم الإعلام الإلكتروني، توجه اهتمام كل الكُتاب إلى الرواية التي زادت من ألقها شهرة جيل المؤسسيين (بن هدوقة، وطار، وبوجدرة) ثم بعض كُتاب جيل السبعينيات. وقد أسهم النُقاد في هذا الوضع باهتمامهم بالرواية التي أصبحت لها ملتقيات وندوات وطنية وعربية، كما أصبحت ترصد لها الجوائز التي تمولها مؤسسات الدول ودور النشر. وفسحت لها الجامعة الجزائرية حيزا مهما في مخابر البحث وبرامج الدراسة، متجاهلة جهود كُتاب القصة ومجاميعهم المنجزة خلال كل المراحل، وهي تتجاوز مائة مجموعة. وأعتقد أن جل القراء والدارسين للأدب الجزائري وقعوا في فخ الإعلام الموجه والذي يسوق اليوم لأسماء الروائيين دون كتّاب القصة المتميزين وأذكر منهم عل سبيل المثال فقط مصطفى فاسي الذي مازال وفيا للقصة. وإذا القينا نظرة خاطفة على واقع القصة في العالم، نجد أن أعلام الرواية الكبار لم يهجروا كلية فن القصة بل مارسوه بحماسة وإتقان، فنجيب محفوظ أنجز خمس عشرة مجموعة قصصية وآخرها كانت سنة 2005 بعنوان (أحلام فترة النقاهة)، وهذا الكم الكبير لم يحققه حتى بعض أعلام القصة القصيرة من غير الروائيين.، والأديب دوستويفسكي ظل يكتب في هذا الجنس الأدبي إلى جانب الرواية، وكذلك غارسيا مازكير لم يتوقف عن المزاوجة بين القصة والرواية. وفي أكتوبر2013 مُنحت جائزة نوبل للكاتبة الكندية "أليس منرو" التي وصفت بأنها سيدة القصة القصيرة وقالت عنها الأكاديمية السويدية بأنها تتميز بمهارة في كتابة القصص المستمدة من بيئتها الريفية. وأرى أن القصة ستعود بقوة بسبب النت وظروف هذا العصر المتميز بالسرعة الجنونية، والمواقع الالكترونية تنتج حاليا آلاف القصص غير أن استسهال كِتابتها أضر كثيرا بهذا الجنس الأدبي الذي يتفوق على الرواية بتكثيف اللحظة الوجودية.
عامر مخلوف/ كاتب وناقد
الخفوت الذي يشهده هذا الفن الأدبي الجميل هو من بريق الرواية
كنت قد أجبتُ عن بعض الأسئلة في كتابي "مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر"، وبعض الأجوبة مازالت قائمة. إذ كان الكُتاب في بداياتهم يتعلقون بالقصة القصيرة لاستسهالها أو لسهولة نشرها، ولا يلبثون أن ينتقلوا إلى تجريب الرواية بدعوى أنها تفسح المجال لأفكارهم التي لا تتسع لها القصة القصيرة، وعادة ما يكون ادِّعاء لا أساس له. فالخفوت الذي يشهده هذا الفن الأدبي الجميل، هو من بريق الرواية التي صار يهاجر إليها كل من جمع كومة من الأوراق ومبلغاً ماليا ووجد له ناشراً يبحث عن الربح السريع كما يبحث هو عن شهرة أسرع، ويتوهَّم أنه يكفي أن يسجل على صفحة الغلاف كلمة "رواية" ليصبح روائياً معروفاً. ثم هناك عامل يعود إلى طبيعة القصة القصيرة ذاتها، فمساحتها ضيقة تقتضي أن يلتقط كاتبها لحظة حياتية خاطفة، وأن تكون لديْه القدرة على ترويض اللغة بحيث يستغني عن كل مفردة لا ضرورة لها. فهي من هذا الجانب أقرب إلى اللغة الشعرية، من حيث الاختصار والتركيز، والتقاط الومضة الحياتية المؤثرة، وقليلون هم الذين يتمتَّعون بهذه المَلَكة.
ثم يأتي –لا شك- دور وسائل الإعلام والهيئات المهتمة بالأدب والتي انساقت وراء بريق الرواية والروائيين واختزلت النشاط الأدبي في هذا اللون دون سواه، تشجيعاً وتكريماً حتى إن الاسم الواحد قد يتكرر مرات ومرات، بصرف النظر عما قد يشوب هذه العملية من شبهات. لعل ما طال القصة القصيرة من خفوت لم ينجُ منه النقد ولا الشعر إلى حد كبير. وأعتقد أن الناس ما زالوا يجرجرون فكرة بالية كوْن الناقد لا يعدو أن يكون تابعاً للمبدع ولذلك لا يحظى بالتقدير نفسه مهما بذل من جهد في القراءة والبحث. ولكن لا يمكنني أن أتصوَّر النشاط الإنساني دون شعر أو نقد أو قصة قصيرة، بل أزعم أن النصوص القصيرة قد تصبح مؤهلة أكثر من غيرها للتلقي في المستقبل بفعل الحياة المتسارعة ووسائل الاتصال العجيبة والعزوف عن القراءة عامة ناهيك عن النصوص الطويلة. فمعظم الكُتاب لا يقرؤون أعمال بعضهم، وغالبا ما لا يقنع الروائي بنص واحد ويتريَّث ليرقب صداه، بل سرعان ما يتعجَّل إصدار نصوص أخرى بنوع من الإسهال لا ينمُّ إلا عن ضحالة فكرية وضيق أفق.
أسماء تاريخية كبيرة اشتهرت بفضل القصة القصيرة أمثال: تشيخوف، وأدغار ألان بو، وجي دو موباسان، وها هي "أليس مونرو" من كندا تنال أكبر جائزة، وهي جائزة نوبل، لأنها تكتب القصة القصيرة بأسلوب واقعي في المضمون وانطباعي في الشكل كما قيل. لكن هذا يحدث عند الأمم التي لم يصبها الانحراف واستمرت تنظر إلى النشاط الإنساني في مجمله ومنه النشاط الأدبي الذي لا يقبل الفصل الإقصائي بين فنونه مادامت ترتقي بالإنسان فكراً وذوْقاً وجمالا.
محمد رابحي/ كاتب وناقد
وضعها العام المزري ناتج عن ملابسات يصعب تحديدها كما يصعب شرحها
انحسار فن القصة القصيرة حقيقة عالمية. غير أنه يتوجب التفريق بين انحسارها عندنا سواء بالجزائر والعالم العربي وبين انحسارها بالغرب. وضعها العام المزري الناتج عن ملابسات يصعب تحديدها كما يصعب شرحها، لكن في عمومها تشير إلى إخلال مقصود وغير مقصود بالمشهد الأدبي من طرف فاعلين به تحكمهم مقاصد فوق أو تحت أدبية. بيد أنه يمكن تحديد مسألة تراجع القصة عندنا بالأسباب نفسها لكن تبعا لعامل التأثر بالآخر وبمعطيات المشهد الأدبي العالمي. ناهيك عن الجهل وما يضفيه من فهم خاطئ وما يختلقه من اصطلاحات مغلوطة وأضاليل تخلق واقعا لا أساسات تدعمه. فانحسار القصة في الغرب لا يعني الإعدام أو الوأد، أو التجاهل،، كما هو حاصل في أدبنا. إنه الانحسار لا أكثر. فالاهتمام قائم وطبعها ونقدها موجود،، لكن محدود. إنها تعاني "نقص" ما تتمتع به الرواية. فالروائي النوبلي لوكليزيو بعد نوبل أصدر مجموعة قصصية. والسينما الأميركية في الأعوام الأخيرة كأنها عادت إلى رأي هتشكوك ومفاده أن القصة هي الفن الأنسب لبنية الفيلم من الرواية. فأنتجت بضعة أفلام عن قصص لكبار الكُتاب حققت أرقاما معتبرة في البوكس أوفس. كل هذا يمر دون أن ننتبه إلى هذا الفن الصامت. يمر عندهم مرور الكرام ويمر عندنا بلا "حس ولا خبر". وعلى هذا تأسست قبل أعوام "جبهة كُتاب القصة الجزائرية" كتيار فكري بالأساس يرمي إلى التمكين لهذا الفن من خلال تصحيح بعض المفاهيم و"العادات الكتابية" بواقعنا الأدبي الجزائري والذي حتما لا يختلف في شيء عن نظيره العربي. ولنتصور حجم الإحباط الذي قد يصيب مثل هذه التيارات الفكرية في واقع قد اكتملت أركانه وفق منظومة خاطئة ودوغمائية. ولعل أهم أطرافها إعلام عربي لا يجيد إلا النقل ولا يملك أي قدرة على الخلق. في المقابل تجد هذه الحركة "جبهة كتاب القصة" مددا ودعما من هناك، من نوبل2013 التي عادت إلى الكندية أليس مونرو الملقبة بملكة القصة القصيرة. والمعروفة كآخر عمالقة فن القص الأحياء. فلقد عكست نوبل كل الاحتمالات، وخالفت العادة غير المؤسسة، مفاجأة لم تصادم بين الآراء كما حدث حين فاز الشعر، بل ألجمت الألسنة وبثت الكثير من الرضا بين الكُتاب والنقاد والصحافيين. بل كان هذا الفوز فرصة لرد الاعتبار لقاصة حظيت بالكثير من الاحترام من أقطاب الرواية العالمية. وفرصة للتذكير بالقصة القصيرة الفن الساحر والمنسي في زحمة ما هو "ضجيجي" و"استعراضي". ويؤكد على صعيد آخر أن المشهد الأدبي في الغرب يخطئ ويتجنى لكنه يظل متوازنا وسويا. على خلاف مشهدنا الذي يتسم بقصر النظر حد الجهل والتقليد الأعمى والتعنت الذي يقبل من كاتب روايات فجة على أن يقبل منه قصصا مبتكرة.
قلولي بن ساعد/ قاص وناقد
قوانين العرض والطلب المفتعلة لا تعبر بالضرورة عن كل توجهات القراء المختلفة
لا أحد ينكر أن فن القصة القصيرة في الجزائر والعالم العربي بدأ يشهد في السنوات الأخيرة بعض الخفاء على أصعدة النشر والتداول الإعلامي والنقدي، وحتى بعض كُتاب القصة أنفسهم صاروا يضعون القصة في خانة أقل من "فائض المعنى الروائي"، بل وهناك من يعبر بدونية عن تجاربه القصصية السابقة وأن القصة لم تكن تثمل لديه سوى جسر عبور إلى الرواية. ولكني فيما أرى أن هذا التراجع لم يمس فقط القصة بل تعدى ذلك أيضا إلى الشعر، فالكثير من الشعراء والقصاصين هجروا الجنس الأدبي الذي شكل "هويتهم النصية" وبدايات تعلقهم بالكتابة الهوس بها إلى الرواية بوصفها أصبحت تشكل سلطة رمزية وكون القصة والشعر لم يعد في وسعهما القدرة على التعبير الشامل عن هموم المبدع الوجودية والحضارية والتاريخية كما يزعم البعض ويصرف النظر عن مستويات الكتابة الإبداعية في القصة أو الرواية أو "أدبيتها" بتعبير تودوروف، أي مما يجعل الأدب أدبا ويميزه عن مجرد الحضور والكتابة. أتصور أن ملامسة الأسئلة التي يطرحها النص القصصي أو الروائي معا كلٌ على حدة والقيم الجمالية والإبداعية البديلة التي يثيرها هي جزء من الإمساك النسبي بالخلل الذي إلتبس لدى بعض من يعتقدون بشرعية دعاويهم إن لم تكن المدخل الأساسي لقراءة "سفر الخروج" بتعبير أحمد دلباني من فضاء القصة لاختبار مكونات الكتابة ذاتها في هذا الجنس الأدبي أو ذاك بعيدا عن معايير الفصل والمفاضلة المعيارية المزاجية في غالب الأحيان والتي لا تستند إلى مرجعية مؤسسة، فالصحافة الأدبية مثلا تعرف مثل هذه القضايا تمام المعرفة ولكنها لا تبادر بفتح نقاشات معمقة تُطرح انطلاقا من هذا المعطى، وهو غياب فن القصة القصيرة أو تغييبه في السنوات الأخيرة تاركة الأمر للصدفة، وللانطباعات المزاجية والمعالجات المتسرعة والآراء التي يبني عليها الناشرون توقعاتهم الظرفية بدون الاستئناس مثلا بآراء المختصين في سوسيولوجيا القراءة لمعرفة تنوع وتعدد أذواق القراء وأبعادها النفسية والاجتماعية، طالما أن لكل جنس من الأجناس الأدبية قصة أو شعرا محبيه وقراءه وجس نبض "المجتمع الثقافي" وهو يتهيأ لاستقبال أي الأعمال الإبداعية أو الفكرية الأكثر راهنية وارتباطا به وبحاجاته الوجدانية والمعرفية وتطلعاته البحثية استجابة لطموحاته وتطلعاته في النهل من مختلف حقول الإبداع للتحكم في ثقافة التسويق للمنتوج الثقافي والتاريخي والأدبي بالاعتماد على ميكانيزمات فلسفة التلقي والقراءة، للوصول إلى القارئ، أينما كان في أقصى عزلة له لمحو آثار هذه النظرة الدونية للقصة القصيرة، والتعامل مع كل أشكال الإبداع المختلفة، بما يتيح التعايش والتداخل إقرارا للتعدد المشروط الذي لا يتعامل مع جنس أدبي مخصوص كالرواية والشعر أو القصة مثلا انطلاقا من قوانين العرض والطلب المفتعلة أو الموجهة والتداول الإعلامي والنقدي السائد للفرار من نفوذ أو التكريس لأجناس أدبية بعينها دون أخرى، وهو عمل بالطبع يحتاج إلى جهود مخلصة، وندوات، ونقاشات تشارك فيها النخب الثقافية والمؤسسات الإعلامية المعنية بأهمية ودور الإعلام الأدبي في تنوير القارئ ودعوته إلى القراءة والتفاعل مع مختلف أشكال الإبداع الجديرة حقا بالبقاء والتداول واستشراف آفاق الكتابة الإبداعية وفضاءات قيمها الرمزية والفكرية من دون الاستناد إلى آراء قبلية تتجلى ببحثها عن ما يناسب إيقاع توجهاتها الظرفية في غياب قراءة مسحية شاملة لمختلف توجهات القراء أينما كانوا في المدن والمداشر والقرى وفي كل مكان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.