حمل معرض الفنان التشكيلي مراد عبد اللاوي الموسوم ب»سحر الرماديات الملونة» المقام بفضاء فرانتز فانون بديوان رياض الفتح، والذي يتواصل إلى غاية 9 جويلية المقبل، رمزية روحانية ووجدانية، حيث استطاع أن يعبر من خلال 66 لوحة عن مكنوناته العميقة تجاه حب الجمال بأدق التفاصيل التي لا تُرى إلا بالإحساس، والتي لا يمكن ترجمتها إلا بلغة الفن بكل دِقَّة و رُقي وصِدق، محققا من خلال ازدحام الألوان الفاقعة المترقبة لاكتساح اللون الرمادي فصل آخر من فصول حكايته مع لون يحمل عنوانا للضبابية في نظر السواد الأعظم بينما يراه هو نبراس للوضوح وعنوان عريض للأمل والاطمئنان. تصيدت ريشة مراد عبد اللاوي المولود في 24 أوت 1964 بعين البيضاء ولاية أم البواقي المتخرج من المدرسة للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة سنة 1989، اللون الرمادي وجعلته الغالب في لوحاته التي تختزل في تقاسيمها ملامح الفرح وجملة من عناوين المشاعر المكبوتة، المسنودة إلى دعائم وطيدة من الجمال ذات أبعاد فكرية وفلسفية، هذا إلى جانب ما أحدثه تناسق جمال اصطفافها حول جدران الرواق، من بهاء يروي تفاصيل حكايا تستحق أن تكون أساطير في عالم الفن التشكيلي، وذلك عن طريق بصمة تفردت بتحويل اللاشعور إلى شعور مجسد في كتاب ذو صفحات ثقيلة موقعة باسمه وبخط يده. اعتبر الفنان مراد عبد اللاوي من خلال حديث جمعنا معه على هامش المعرض، بأن مجموعة الأعمال المعروضة هي من أصل ما يقارب 500 لوحة تحمل نفس نسق العمل وذات نفس اللون الرمادي الطاغي بكل تدرجاته الغالبة على الانتشار المحتشم للون الأحمر، على غرار بقية الألوان الفاقعة التي فضَّل أن يترك لها مساحة باردة بين فراغات فضفضة زعيم الألوان «الرمادي»، الذي هو أصل البداية والنهاية في رحلة فنية تقرر فيها تنصيبه الراعي الرسمي لمملكة مسيرته الفنية. كما اختار للوحاته عناوين غير قابلة للصرف، ومن بين تلك العناوين نجد «تلميحات»، «تأويلات»، «الآهات»، والسبب أرجعها لصدى الانفعالات التي تتجاوب معها النفس عبر العديد من المواقف والظروف والعلاقات التي تربطها في دائرتها الحياتية اليومية. وعن عشقه للون الرمادي الذي كان بمثابة جواز سفر يجول بكل حرية أثناء ترجمة وجهة نظرته للأشياء، وذلك من خلال محتوى كل لوحة، أشار الفنان بأنه اللون الوحيد الذي يمكنه أن يقول كل شيء بصدق، حيث اختاره وفوضه ليخدم عمق رسالته الفنية، كما جعل له صورة جميلة تعكس الفرح والحب والجمال، عكس ما هو المتعارف والشائع عنه بأنه لون يرمز للكآبة والحزن والآلام، وهذا ما لمسناه فعلا من قبل الزوار، حيث جذبهم الاحتضان الحاني للرمادي لذلك التلاحم الدافئ للألوان المحيطة به. في ذات الصدد، تحدث الرسام مراد عبد اللاوي السائح في فضاء الفن التشكيلي، لاسيما ولعه بمختلف الفنون الأخرى كالموسيقى والكتابة، عن شغفه اللامحدود لعمله وما يستلزمه من أساسيات في تحضير معارض يتوخى فيها الاحترافية وبمقاييس عالمية، كما جاء على لسانه في هذا السياق: «للون الرمادي القدرة على خلق التفاعل مع المتلقي، الذي سيجد حتما فيه تشابه كبير مع حالاته النفسية المتشعبة، فإلى جانب ما أقوم به من خطوات احترافية مدروسة بذكاء من خلال تعاملي اليومي مع الريشة والتربع الرسمي لذات اللون في جل الأعمال، استطعت أن أميز أثناء معارضي التي أشارك بها والتي أتحرى فيها التحكم في تقنيات الرسم، وإلى نوعية وأهمية الفضاء الملائم لها، بين تقبل الجمهور وبين انتقادهم للوحات، وبالتالي أتقصى من تلك الآراء المتناقصة ما يمكنني من تجسيد أفكار أخرى التي ستتحول في وقت قصير إلى معارض لاحقة». كما أعرب ذات المتحدث من خلال استعراضه باقتضاب لمسيرته الفنية التي سجل بصمته فيها عبر عدة معارض جماعية وفردية، لاسيما مشاركاته خارج الوطن من بينها معرض بلغراد سنة 2019، الذي كان أخر معرض له خارج الديار، إضافة إلى الجوائز التي حصدها والتي تفوق 25، من بينها جائزة معرض الاسماعيلية في 2013، أعرب عن أسفه إزاء شح فضاءات العرض التي تعود بالسلب على أعمال المبدعين وذوي الموهبة، الذين يجدون أنفسهم للأسف غير معنيين من الاستفادة منها، وبالتالي تصغر في أعينهم طاقة الفن التي لم تتفجر إلا في أحلامهم المتراكمة على عتبات الواقع.