أصوات تتعالى، نقاش محتدم، وأب يصرخ، وأمّ تشتكي، وأحيانا "تكسير" هنا وهناك؛ كل هذه الأجواء السلبية على مسامع الأبناء الذين يختبئون خلف أبواب غرفهم، الخوف يتملّكهم، ويفكّرون في "القادم" كيف سيكون. أطفال ومراهقون، ألقت بهم الظروف في وسط المشاكل العائلية، والتبعات النفسية وتأثير كل ذلك على الابناء الذين يقعون فريسة الأمراض النفسية والأسرية والتربوية في ذات الوقت، ومنهم من يحتاج إلى تدخلات علاجية سلوكية فيما بعد، خاصة ممن هم في سن المراهقة. في تقرير خاص نشر في "اليونيسف" تحدّث فيه مختصون، على أنّ الإجهاد النفسي الذي يصيب الكثيرين قد يكون سبباً في الإرهاق والإنهاك، خاصة فيما يتعلق بالوالدين ممّن يحتاجون إلى السعي لتحقيق التوازن بين الواجبات في العمل وواجباتهم في الأسرة، وهنا يجب التدخل من قبلهم لعدم الانجرار خلف تلك التوابع النفسية، وكما جاء في التقرير "تلطّف مع نفسك وتخصيص وقت للعناية بها ليس من الرفاهية بل هو واجب، والذي سيؤثر على الأبناء فيما بعد". «الإنهاك النفسي" هو تلك التراكمات السلبية التي تؤثر على الفرد، وتؤدي به إلى حالة من الإرهاق البدني والعاطفي والعقلي ينتج عنه التعرض لفترات طويلة لعوامل الإجهاد، وله الكثير من الأعراض التي يمكن أن يتعرف عليها الفرد مباشرة من خلال ردود أفعاله على المحيطين. الحالة النفسية للطفل، هي الخطوة الأولى التي يُبنى عليها مصيره في الحياة ومستقبله الذي يتعلق ب "تعليمه، عمله، تربيته، وعلاقته الاجتماعية والأخلاقية مع الآخرين، والحالة النفسية له، وطريقة التعامل معه داخل أسوار البيت". من الناحية التربوية، يرى المختصّون أنّ الأبناء يتأثّرون بالأجواء النفسية والاجتماعية، والإيجابية التي تُعد متطلّباً مهما لنجاح الحياة الأسرية واستمراريتها بما ينعكس على الأبناء وسلوكهم وتربيتهم وتوجهاتهم المستقبلية. ووفقهم، فإنّ الظّروف الحياتية سواء كانت اقتصادية او اجتماعية وما يرتبط بها من ضغوط ومتطلبات، تنعكس سلباً على نفسية الوالدين، وهذا الانعكاس يكون مردوده سلبيا على الأبناء، وعادة ما تكون الأجواء الأسرية مشحونة بكافة أشكالها بين الزوج والزوجة من جهة، وبين الأبناء من جهةٍ أخرى. واليوم يدخل متغير آخر ترك أثرا سلبيا على هذه العلاقة الأسرية، وهو المتغير الرقمي وما يرتبط به من انشغال الجميع عبر المتابعة المستمرة لما ينشر على مواقع التواصل ممّا أدّى إلى مزيد من العزلة، وهذا زاد من حدة الضغوط على الوالدين وطبيعة علاقتهم مع أبنائهم. كما أنّ البيئة الطبيعية التي ينبغي أن يعيش فيها الأبناء تتطلّب فصلاً بين واقع الضغوط التي يواجهها الوالدان وبين الحياة الأسرية، والأصل أن يكون علاج المشكلات والضغوط الأسرية بين الزوجين بمعزل عن الأبناء وعن سياسة الاستقطاب الأسري التي تمارس في أحيان كثيرة. وتعد الحالة النفسية "للمنزل" ككل مهمة جدا، من أبناء ووالدين، وبخاصة الوالدين، اللذين يعتبران الحصن المنيع للأطفال من كل ما هو في الخارج، ومسؤولين عن تربيتهم وتأهيلهم لمواجهة الحياة الخارجية، وأول ما يساعدهم على صلابة شخصيتهم هو "الحالة النفسية التي تتأثر بالطبع بحالة الوالدين". كل ما يدور في البيت من حديث، أو شجار، أو حتى شكوى وخوف من ظروف محيطة بالأسرة، هي تأثيرات لا بد أن يشعر بها الأبناء، والتي مع مرور الوقت قد تولد لديهم تراكمات من المشاكل والمعيقات. الطفل، يراقب كل كلمة وتصرّف يصدر من الأهل، وهو ما ينعكس مباشرةً على مشاعره وقلقه، وحالته النفسية، والتي عادةً ما تكون أكثر تأثيراً لدى المراهقين، حيث تفكيرهم مختلف ومشاعرهم متضاربة وبحاجة إلى من يحتويهم في تلك الفترة. وأشار كذلك تقرير اليونسف الى تشديد المختصين على أهمية ألاّ يتردد الشخص في طلب المساعدة من المختصين في مجال العلاج النفسي أو السلوكي، أو التربوي، الذي بإمكانه أن يقدم مساعدة واستشارة للأهل والأبناء كلاً حسب حاجته، ضمن الخيارات المتوفرة، وصولا الى "اتباع العادات الإيجابية للصحة العقلية". ويمكن ملاحظة مظاهر تأثر الابناء بالحالة النفسية لآبائهم بشكل صريح وواضح من قِبل المحيطين سواء الأهل أو الأقارب، أو المدرسة، وذلك من خلال الشعور بالحزن، القلق، الخوف، الاكتئاب بدرجاته المختلفة، تدني المستوى الدراسي بشكل مفاجئ، الصمت والوحدة والانعزال، الشحوب، والكثير من الأعراض التي يمكن ملاحظتها على الطفل. المساعدة في وقت مبكر ومن هنا، من الأهمية بمكان أن تتم مساعدة الطفل أو المراهق بوقت مبكر من هذه الضغوط النفسية التي تلحق به، حتى لا تكون لها تأثيرات طويلة الأمد، ويمكن أن تؤثر على مسار حياته، وكلما كان العلاج والدعم مبكراً كانت الأمور أفضل بكثير، فضلا عن تقديم العلاج والمساعدة للوالدين أو الشخص الذي يحتاج للعلاج منهم، للقضاء على المسببات التي أدت إلى حدوث مشاكل وتراكمات نفسة لدى "الطفل والمراهق". وكما يشدّد المختصون دائماً فيما بتعلق بالقضايا التربوية أن كل ما يتعلق بالأبناء وتربيتهم وعلاقاتهم المجتمعية لا تقع على عاتق الأهل فقط، وإنما على الجميع وبشكل خاص المؤسسات التربوية والإعلامية، وذلك من خلال التوعية بالمفاهيم المتعلقة بالحياة الأسرية الإيجابية وكيفية عزل الأبناء عن محيط الضغوط النفسية، وإشراكهم حسب المرحلة العمرية بالمتطلبات الحياتية التي تعلمهم كيفية تحمل المسؤولية وفهم متطلبات الحياة والتعامل مع الضغوط التي تواجه الأسر، وبالتالي الإسهام في إعداد جيل قادر على التعامل مع الضغوط ويشارك بإيجابية في الحياة الأسرية.