معاناتها الاجتماعية وظروفها المادية، دفعتها لمواجهة مخاطر البحر، لتستخرج قوت أطفالها من بين أمواجه التي كانت تروضها بإصرار وإرادة فولاذية، امتهنت السيدة فاطمة بن أحمد المدعوة ميمي مهنة الصيد، مقتحمة مجالا كان حكرا على الرجال، أذهلت بجديتها وتفانيها حتى الصيادين المحترفين، وعرفت كيف تضع خطواتها الأولى في مسار مكلّل بالتضحية والنجاح خاصة بعد استفادتها من قرض معتبر، واقتناء باخرة صيد وتوظيف ما لا يقل عن 8 عمال..وبدأت المغامرة. كنّا نسمع في القصص القديمة والأساطير عن الصياد الفقير، الذي تعلّق في شباكه عروس البحر فيطلق سراحها وتمنحه بالمقابل الثروة، أو الذي اصطاد سمكة ذهبية وتحوّل في ليلة وضحاها إلى أكبر الأثرياء، لكن بواقعية أكبر تتقاطع تلك المشاهد مع ما حدث للصيادة فاطمة ابنة مدينة الباهية وهران، التي أثبتت أمام الأنظار أنه يمكن للصياد الماهر أن يستخرج تلك الثروة التي لا تنضب من أعماق البحر، بالصبر والكثير من العطاء وسهر الليالي. فمن قارب صغير بدون محرك، تركه لها زوجها المريض، ومعاناة كبيرة بين واجب إعالة طفليها واقتناء الدواء للزوج الذي كان طريح الفراش، تحمّلت عناء التجذيف بمفردها وواجهت دخول الماء من كل جهة، وتحدّت هجوم الأمواج بعزيمة. في البداية كانت تماما مثل ذلك الصياد الفقير الذي يحاول أن يؤمن قوت أطفاله من خبز وحليب وسمك، لكن تعلّقها بالبحر جعلها تتعلّم تقنيات التفاوض معه والتعامل مع مزاجه المضطرب الممزوج بالهدوء والهيجان. وجدناها في بداية عقدها الرابع، لكنك تشعر أن خبرتها في الحياة كبيرة وعلاقتها مع البحر أعمق، تزوّجت في سن مبكرة وأنجبت 3 أطفال لكن ذلك لم يثنها عن احتضان مغامرة ولوج البحر، وفي كل مرة تهاجمها الأمواج ويقسو عليها الطقس تقرّر عدم العودة إليه، لكن بمجرد نجاتها وأخذها قسطا من الراحة على اليابسة تعود بحب وشوق كبيرين. عندما تروي السيدة فاطمة أو ميمي قصتها المشوقة، تفرض عليك الاستماع إليها باهتمام كبير. قالت أنّ البداية كانت مثل العلقم مشبّعة بالقسوة، لكن قوة التحدي التي بداخلها جعلتها تكرّر محاولات الفشل، مثل عملية الصيد التقليدية التي كانت فيها السنارة تخرج خائبة ومخيبة لصحابها، قامت باستصدار دفتر البحار وقفزت إلى مرتبة قبطان السفينة، ومن هنا بدات قصتها تسطع، ولا تنسى أنه خلال سنة 2000 إلى غاية 2002 واجهت صعوبات كبيرة من بينها رفض الرجال والمجتمع لامرأة وسط البحر تنافسهم المغامرة وتتفنن إلى جانبهم في ترويض البحر، كثيرا ما يتم توقيفها عبر كل ميناء تدخله، لأنها تغيّر أمكنة الصيد كثيرا للتنويع وبهدف رزق أوسع، حتى نجحت في سنة 2007 في حيازة قرض عن طريق «الأنساج» يناهز 1 مليار سنتيم، ووظّفت بعد ذلك 8 عمال، وتصرّ على ضرورة الخروج إلى جانب العمال لأنها تتنفس جيدا وتشعر بإنسانيتها واستجابة الله الخالق لدعواتها، ولا تركن نفسها للراحة والهدوء إلا مع لقائها بالبحر، لتقلب أمواجه كما تقلب تلك الأيام الصعبة التي واجهت فيها الفقر والوحدة والخوف والموت رفقة صغارها.ومن أصعب المواقف التي عاشتها، تلك التي انتشلت فيها 3 شباب أبحروا نحو الضفة الأخرى مقرّرين عدم العودة بحثا عن حياة أفضل، حيث وجدتهم في حالة غرق وقدمت لهم يد المساعدة، وحملتهم إلى برّ الأمان، ثم منحتهم الماء والقهوة ونصحتهم بعدم الحرقة، ووضعتهم أمام أخطار الهجرة غير شرعية، وتحدّثت لهم عن تجربتها التي يوجد به شق قاس وآخر مشرق، فاقتنعوا واليوم يعملون بوطنهم وفي اتصال دائم بها لأنّها أنقذتهم من مخالب الغرق، ومن أفكار خاطئة كانت ستقضي على حياتهم.يناهز تواجد السيدة «ميمي» في البحر بنحو عقدين من الزمن، ويشاء القدر أن تقترن ب «صياد» ويتحقق حلم طفولتها لتكون صيّادة، واليوم تمكّنت من تسديد الشطر الأول من القرض وشرعت في تسديد الشطر الثاني. ترى أنّ المرأة الجزائرية قوية وجدية وفي نفس الوقت متواضعة، وقالت أنّها في حاجة لأن يكنّ لها الرجل الكثير من الاحترام، لأنّ المجتمع بدونها لن ينجح.