يجد بعض الأشخاص أنفسهم خارج هذا الإيقاع، في عالم يقاس فيه النجاح بمدى القدرة على التواصل السريع والاندماج مع الآخرين، ليس لأنهم غير قادرين على ذلك، أو كأن لديهم خيار، بل لأنهم يفكرون بطريقة مختلفة، اختلاف لا يظهر دائما بوضوح، فلا توجد علامات واضحة في أغلب الأحيان، ولا سلوكيات لافتة تدفع إلى الانتباه من الوهلة الأولى، لكن تأثيره يكون حاضرا في تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، في طريقة فهم الكلام، في تفسير النوايا، وحتى في التعامل مع مواقف يراها الآخرون عادية، بل أكثر من عادية. أي اختلاف يجعل أبسط الأمور تبدو أكثر تعقيدا لدى هذه الفئة من المجتمع، كالدخول في حديث عابر، أو فهم مزحة، أو حتى التفاعل مع نظرة أو تعبير وجه، أشياء تبدو بسيطة للأغلبية، لكنها قد تحتاج جهدا كبيرا من شخص آخر، حتى يفهمها أو يتعامل معها، ومع تكرار هذه المواقف، يتحول الأمر من مجرد اختلاف بسيط إلى ضغط يومي مستمر، خاصة عندما لا يجد هذا الشخص تفهما من محيطه والأشخاص من حوله، الذين لا يشاركونه نفس المشكل. هذا الواقع يرتبط بما يعرف باضطراب التوحد، الذي ما زال محاطا بكثير من الأحكام المسبقة وسوء الفهم داخل المجتمع، ورغم أن الحديث عنه أصبح أكثر انتشارا في السنوات الأخيرة، إلا أن الصورة السائدة والمنتشرة بين الكثيرين لا تزال ناقصة، حيث يتم التركيز غالبا على حالات الأطفال، بينما تبقى تجارب البالغين أقل حضورا في النقاش العام. ومع إحياء اليوم العالمي للتوحد، تتكرر نفس الصور ونفس الخطابات، حديث عن التشخيص المبكر، وعن دور العائلة، وعن ضرورة المرافقة في سن الطفولة، لكن في المقابل، هناك فئة كاملة لا يتم التوقف عندها بالشكل الكافي، بالغون كبروا وهم يحملون هذا الاضطراب، وتعلموا التعايش معه بطرقهم الخاصة، لكنهم اليوم يواجهون تحديات من نوع آخر، أكثر ارتباطا بالاندماج في المجتمع، خصوصا أن المجتمع عامة لا يعرفهم، بل يعرف فقط أطفالا وصغارا مصابين بهذا العرض. في هذا السياق، يوضح فارس كحلوش، مختص في علم النفس، أن التوحد لا ينتهي مع التقدم في السن، بل يستمر مع الشخص طوال حياته، لكن طريقة ظهوره تتغير، مشيرا إلى أن كثيرا من البالغين يعتمدون على استراتيجيات خاصة للتكيف، مثل تجنب بعض المواقف الاجتماعية أو محاولة تقليد سلوكيات الآخرين، حتى يبدو أكثر انسجاما مع المحيط، إلا أن هذه السلوكيات المتصنعة أحيانا، قد تضر نفسية المصاب، بل وتعقد حالته، وبدل التفتح، قد ينطوي أكثر أو يعتزل تماما، لاسيما إذا واجه نوعا من التهكم أو التنمر من أشخاص من حوله، الأمر الذي يزيد من تعقيد حالته الصحية. ويضيف المختص، أن محاولة التكيف المستمر لا يكون دائما سهلا، بل يخلق ضغطا نفسيا كبيرا، لأن الشخص يعيش في حالة محاولة دائمة للتأقلم، قد يبدو الأمر بسيطا من الخارج، لكن في الداخل، هناك جهد يومي يبذل من أجل تفادي سوء الفهم أو الإحراج، وهو ما قد يؤدي مع الوقت، إلى تعب نفسي أو شعور بالعزلة. وشدد كحلوش، على أن الصعوبات تظهر أكثر على مستوى العمل، وتبرز بوضوح أكبر، حيث تعتمد أغلب بيئات العمل على التواصل السريع والعمل الجماعي، وهنا المشكلة لا تتعلق بقدرة الشخص على الأداء، بل بطبيعة هذه البيئات، التي لا تراعي الاختلاف في طرق التفكير، خصوصا وأن كثيرا من المصابين يمتلكون مهارات دقيقة، وقدرة عالية على التركيز، لكن هذه القدرات لا يتم استغلالها كما يجب. أما في الحياة الاجتماعية، فيبقى التحدي أكثر تعقيدا، يضيف المختص، بسبب القواعد غير المكتوبة التي تحكم العلاقات، على حد تعبيره، وعدم فهم هذه القواعد قد يؤدي إلى مواقف محرجة أو تفسيرات خاطئة، وهو ما يجعل البعض يفضل الانسحاب بدل المواجهة، ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه العزلة إلى واقع دائم، لاسيما وأن الكثير من المصابين لا يكشفون عما يعانون منه، بل يحاولون اخفائه وعيش حياة عادية ومحاولة الاندماج بسلاسة، وسط البقية، ما يجعل الأمر يبدو أكثر وضوحا، ما يجعل المحيطين يلاحظون الفرق في السلوكيات أكثر. ويرى المختص، أن تغيير هذا الوضع لا يرتبط فقط بالعلاج، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي أكبر، فهم التوحد كاختلاف في طريقة التفكير، وليس كخلل، يمكن أن يخفف الكثير من الضغوط، ويفتح المجال أمام المصابين للعيش بشكل أكثر راحة، مشددا على أن التحدي الحقيقي يكمن في نظرة المجتمع، ومحاولة كل واحد تقبل اختلاف الآخر وتفهم وضعه الصحي.