* مسار سياسي وعسكري ثري ارتبط بإدارة أزمة دموية رحل الرجل وبقي الأثر... مقولة تنطبق على الرئيس الأسبق السيد اليامين زروال الذي التحق ليلة أول أمس، بالرفيق الأعلى في صمت وهدوء، بعد أن عاش وقورا دون ضجيج أو ادعاء، ليصنع بذلك الاستثناء في تاريخ الجزائر المستقلة التي حملها في وجدانه وعايش معها أصعب المراحل التي مرت بها بحكمة ووفاء منقطع النظير، ما جعله بالنسبة للكثيرين من الشباب، مرجعا للوطنية الحقة وشخصية من طينة الكبار، حظيت بالكثير من الموثوقية النابعة من قناعات راسخة متوارثة عن قيم الشهداء وثوابتهم التي صقلت مبادئ الرجل وشكلت نهجا في حياته إلى آخر لحظات من عمره. ترجل من خلّف ذكرا حسنا وحضورا باهرا في المحافل، ورغم زهده وتركه السلطة منذ أكثر من عقدين، إلا أن الراحل اليامين زروال بقي قائدا فذا في نفوس الجزائريين الذين يكنّون له كل الاحترام ويحظى بشعبية كبيرة لديهم.. فالرجل الذي فضّل التواري عن الأضواء، ظل قريبا من شعبه ومتتبعا لتطوّرات الجزائر التي عشقها حتى النخاع، حيث مازالت عبارته المشهورة "أعتز كل يوم أكثر فأكثر بانتمائي لهذا الشعب العظيم"، شاهدة على شموخ الرجل وصفاء مواقفه التي لا يعتريها أدنى شك .الرئيس الأسبق الذي عاد إلى حياته الطبيعية البسيطة بعد تخلّيه عن السلطة في 1999، لم يكن يتباهى بلقب "الفخامة " الذي منحها له التاريخ وخرج من بابه الواسع بكل اعتزاز، بل ظل يشارك أفراح وآلام الشعب الجزائري عن قرب. ويبقى الحراك المبارك أكبر دليل على ذلك، حيث عبر آنذاك عن ثقته الكاملة في الملايين من المتظاهرين، داعيا إلى ضرورة عدم عرقلة مسيرة الشعب الذي استعاد السيطرة على مصيره، بل إنه عبر عن فخره بملايين الجزائريين الذين خرجوا إلى الشارع للمطالبة "بجزائر ديمقراطية بحماس ووعي ونظام شرف الأمة"، مع تأكيده على التحلي بالعقل والرقي لمستوى الشعب لتفادي أي انزلاق. ويذكر أنه في فترة ذروة الحراك الشعبي، أقر الرئيس الأسبق اليامين زروال بمشاركته في اجتماع مع مدير المخابرات السابق الفريق محمد مدين، لمناقشة فكرة، شقيق الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، لإنشاء هيئة رئاسية تدير البلاد ويترأسها شخصيا، لكنه رفض المقترح، ونشر بيانا للرأي العام أكد فيه تمسّكه بحق الشعب في اختيار مصيره. وبرحيل الوطني اليامين زروال، تطوي الجزائر صفحة أحد أبرز قادتها الذين تركوا وراءهم مسارا سياسيا وعسكريا ارتبط بإدارة الأزمات والسعي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة في فترة عصيبة. احتفظ الابن البار للجزائر، بصداقة قوية مع رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، فضلا عن لقاءاته العديدة معه منذ انتخابه رئيسا للبلاد لتقديم دعمه الكامل لسياسته من أجل النهوض بالجزائر في شتى المجالات. وكان الراحل قد أكد في تصريح عقب أحد لقاءاته مع رئيس الجمهورية سنة 2020 أنه لمس ومنذ بداية الحملة الانتخابية للرئيس عبد المجيد تبون وإلى غاية اليوم، إرادة صادقة لبناء الجزائر الجديدة التي حلم بها كل الجزائريين والشهداء الأبرار، حيث كانت المناسبة لاستشارته في موضوع تعديل الدستور آنذاك . كما عبر له في عدة مناسبات عن تقديره للجهود التي تبذلها الدولة لصالح الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود، في حين أشاد الرئيس تبون في عديد المناسبات بالخصال التي يتحلى بها الرئيس الأسبق قائلا "أكن محبة خاصة لليامين زروال منذ زمالتنا في مدرسة الدبابات بباتنة"، مضيفا أنه "رجل مخلص ووطني.. لديه مكانة خاصة لدي وعندما تتكلم عن زروال فإنك تتكلم عن جزائري قح". وسبق للراحل اليامين زروال أن هنّأ رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون على الثقة المتجددة فيه من قبل الشعب الجزائري، وفوزه بعهدة رئاسية ثانية، متمنيا له التوفيق والسداد في مسيرته للسنوات الخمس المقبلة، في حين شكر الرئيس تبون الراحل اليامين زروال على مشاعره النبيلة وإخلاصه للوطن. وتعد زيارات الرئيس الأسبق، اليامين زروال، إلى مقر الرئاسة، سابقة في مساره، إذ كانت المرة الأولى التي يعود فيها إلى مقر الرئاسة، منذ مغادرته كرسي الحكم سنة 1999، حيث فضل منذ ذلك التاريخ الابتعاد عن الواجهة، وسجل غيابه عن حضور المناسبات والاحتفالات التي نظمتها الرئاسة طيلة العشرين سنة الماضية. اليامين زروال.. يرحل الرجل ويبقي الأثر