"ماذا لو أتيح لنا أن نعيد الأمر من البداية؟" هو ليس مجرد عنوان لرواية الكاتبة حورية بوسديرة وحسب، بل هو سؤال قد يراود الإنسان في مرحلة ما من حياته، وقد تكون الأسوأ، أي في آخر أيامه، حينما لا يستطيع أن يُصلح ما يعتقد أنه غير سليم، فيندم في وقت لا ينفع فيه الندم. قدمت الكاتبة حورية بوسديرة روايتها الجديدة "ماذا لو أتيح لنا أن نعيد الأمر من البداية؟"، الصادرة عن دار "القبية"، أول أمس بالمركز الثقافي الجامعي. وتحدثت عن عملها الثالث، فقالت إنه يحكي عن رجل اسمه زكي، عاش طيلة حياته محاولا إرضاء الآخرين، فمات متحسرا، بعد أن فات الأوان في إصلاح أموره، مضيفة أنه، كان يعاني من شخصية هشة لم يستطع بها تحقيق التوازن النفسي، ليخسر بذلك الكثير. وأضافت بوسديرة، أن زكي هو ابن قرية، عاش متسلحا بحب والدته المفرط، ومعانيا من تجاهل والده. كما لم يكن تلميذا ناجحا في دراسته. وكان لصيقا بوالدته، فلم يرفض طلبها في ترك زوجته مع العائلة الكبيرة، لتعتني بها حينما وجد عملا في العاصمة. وهناك انغمس في اللهو والمتعة، ليعيش بذلك مراهقة متأخرة، شأن الذي عاش في قرية محافظة، وانتقل إلى مدينة كبيرة بعيدة عن أعين الأهل. وتابعت أن زكي عاش حياته بحثا عن إرضاء الآخرين، وفي مقدمتهم والده، كما أن رغبته في تعويض مستواه الدراسي المتوسط أمام نجاح أخويه في الدارسة، "دفع" به إلى ممارسة الغش وأساليب أخرى مقيتة في عمله، حتى يصل إلى مبتغاه، مهما كانت الوسيلة. بالمقابل، تحدثت الكاتبة عن سبب كتابتها لهذا العمل، فقالت "توفي والدي وأخي الطبيبان، بعد إصابتهما بمرض السرطان، كانا بحكم تخصصهما المهنيين يعلمان بمصيرهما، فتساءلت عن إحساسهما وهما يعيشان آخر أيامهما، لم أتجرأ على السؤال طبعا، لكنني لا أنسى نظرة والدي حينما شاهد نتائج السكانير الأخير، وأيقن أنه على وشك الهلاك". وهكذا، قررت بوسديرة أن تكتب عن حياة رجل من ميلاده إلى وفاته، مشيرة إلى أن روايتها خيالية، أضفت عليها عناصر عن واقعنا، وارتأت من خلالها، أن تقدم مجموعة من الرسائل، تأتي في مقدمتها أهمية استغلال الفرص وعدم محاولة إرضاء الآخرين على حسابنا، ومحاولة إحداث التوزان بين مصلحتنا وتضحياتنا، والقدرة على إحداث تغييرات في حياتنا، مهما كانت الظروف، ومهما بلغ بنا العمر. وانتقلت بوسديرة في حديثها، إلى مكانة القدر في حياتنا، وحتى تأثر الإنسان ليس بتربية والديه فقط، بل حتى بكل شخص احتك به في حياته، لكن هذا لا يجب أن يمنعه من محاولة تعزيز شخصيته وتقويتها، وكذا مقاومة مطبات الحياة وعدم السعي نحو إرضاء الآخرين على حسابه. في هذا، قالت "زكي كان رجلا هشا، عاش حياة متناقضة، لم ينتفض إلا مرة واحدة، حينما كشفت له العائلة عن سر دفين، لكن حتى هذه الانتفاضة لخصها في فعلة واحدة، تتمثل في تقيئه، ليجد نفسه على فراش الموت والندم يعصره عصرا على حياة ضائعة". وتطرقت أيضا في روايتها هذه، إلى مواضيع أخرى تمس مجتمعنا الجزائري، مثل مسؤولية الكنة، زوجة الابن الأصغر، على العائلة الكبيرة، وتناقل الإشاعات بشكل سريع، خاصة في القرى، حيث يتعارف الجميع، وموضوع الخيانة الزوجية التي قالت إنها غير عفوية بالمرة، علاوة على الابتزاز العاطفي، مثل وضع شرط النجاح في الدراسة لنيل حب الوالدين وغيرها. واعتبرت الكاتبة أن كثرة الشكوى وايهام النفس بأن مشاكلنا سببها الآخرون، آفة نفسية مريرة، فزكي مثلا، لم يعترض على رفض العائلة زواجه من حبيبته، فعاش حياة غير سعيدة، ضحية لشخصيته المهزوزة، لتدعو الجميع إلى استغلال الحياة، لأنها قصيرة، بل قصيرة جدا.