أردت أن أتوقف عند لفظة "الفلتة التي وصفت بها البيعة في السقيفة لأنها سوف تكون لاحقا واحدة من أكبر مآخذ الشيعة على بيعة أبي بكر، ويدعون أنها كانت تدبيرا كيديا حرم عليا من الخلافة التي تؤول إليه بزعمه، بحكم نص الحديث في يوم الغدير "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" وشبهات أخرى كثيرة سوف يطورها الشيعة عبر العصور، وقد نعرض أبرزه في حينه. فلا بأس إذن أن نعرج قليلا على لفظة "الفلتة" التي كثيرا ما اتخذها الشيعة وغيرهم من الفرق، واتخذوها حجة للطعن في صحة خلافة أبي بكر بل وللطعن في شرعية الخلفاء الأربع حتى يومنا هذا. فالفلتة لغة (بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة ثم تاء تأنيث) تعني فجأة، وفسرها بعضهم بانفلات الشيء من الشيء، ويقال: إن الفتح غلط، وإنه إنما يقال فيما يندم عليه، وبيعة أبي بكر مما لا يندم عليه أحد، وإنما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنسبة لمن لم يحضرها في الحال الأول، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله فلتة: "فما يمنع امرأ إن هلك هذا أن يقوم إلى من يريد فيضرب على يده فتكون أي البيعة كما كانت" وعن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: "الفلتة الليلة التي يشك فيها هل هي من رجب أو شعبان، وهل من المحرم أو صفر، كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربص، فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاخ الشهر، فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به وهو آمن، فيترتب على ذلك الشر الكثير، فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، و"الفلتة" بما وقع من أهل الردة ووقى الله شر ذلك ببيعة أبي بكر، لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم، والأولى أن يقال: الجامع بينهما انتهاز الفرصة، لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشر الكثير فوقى الله المسلمين شر ذلك، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شر، بل أطاعه الناس كلهم من حضر البيعة ومن غاب عنها. وفي قوله: "وقى الله شرها" إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف.. وقول عمر: (ولكن الله وقى شرها) أي وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر؛ لأن من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشيء الذي يفعل بغتة لا يرضاه، وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع الأنصار سعد بن عبادة، قال أبو عبيدة: عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفة انتشار الأمر، وأن يتعلق به من لا يستحقه فيقع الشر. وقال الداودي: معنى قوله: "كانت فلتة" أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور. وأنكر هذه الكرابيسي صاحب الشافعي وقال: بل المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم، وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه من بيعته فقال: منا أمير ومنكم أمير، فالمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الأنصار وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة، وقال ابن حبان: معنى قوله: "كانت فلتة" أن ابتداءها كان عن غير ملإ كثير، والشيء إذا كان كذلك يقال له الفلتة، فيتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة، فكفى الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة، لا أن بيعة أبي بكر كان فيها شر.