الرئيس الصحراوي: الجزائر سندنا الدائم    الجزائر تصادق على انضمامها لمنطقة التبادل الحر الإفريقية    المديرية العامة للأمن الوطني تكشف حقيقة الفيديو المغرض    معرض الإنتاج الجزائري موعد للشراكة    صناعة الأعضاء الاصطناعية في الجزائر ضرورة    بلمهدي يكرم الفائزين في مسابقة تونس الدولية    رخيلة للإذاعة : نهج الخيار الدستوري يؤكد تحضر الشعب الجزائري وبداية مرحلة جديدة    إدماج عقود ما قبل التشغيل بصفة متربصين أومتعاقدين    «كار» تدخل الرقمنة بتطبيق الدفع الإلكتروني    انعقاد الندوة الوطنية التحضيرية بالتفاريتي    بوفون يعادل رقما تاريخيا لأسطورة "اليوفي"    العميد يواصل المغامرة وسط حرب كلامية بين الإداريّين    حزب جبهة التحرير الوطني يهنيء الرئيس المنتخب تبون ويشيد بأجواء "الشفافية والنزاهة" التي سادت الاقتراع    رفع نسبة الربط بشبكة المياه إلى 78٪    انطلاق عملية التسجيل لقرعة الحج لموسمي 2020 و2021    رابحي : المراكز الجهوية للتلفزة الجزائرية وعديد الهياكل الإعلامية تعزيز للإعلام الجواري    انطلاق عملية تسجيلات الحج للموسمين 2020 و 2021 م    لبنان: استشارات نيابية يوم الاثنين لتسمية رئيس وزراء جديد    نحو انجاز 12 محطة جديدة للجيل الرابع للانترنت الثابت بميلة    توقيف تسعة أشخاص بينهم ستة بحوزتهم أقراص مهلوسة    سطيف: هلاك امرأة اختناقا بغاز أحادي أكسيد الكربون    هزتان أرضيتان بميهوب بالمدية وعدم تسجيل أي ضحية أو خسائر مادية    مولودية الجزائر يقابل القوة الجويلة بهدف التأهل الدور ربع النهائي    الجزائر تمتلك طاقات تمكّنها من إنشاء مراكز بحثية    البطولة الوطنية للقفز على الحواجز من 18 إلى 21 ديسمبر بوهران    إنطلاق أشغال إعادة تهئية ملعب "الحبيب بوعقلّ    زعيم المعارضة البريطانية يعتذر عن الهزيمة    اليوم العالمي للغة العربية: معرض حول تاريخ وفن الخط العربي بمتحف "أحمد زبانة"    بمعية 16 مسؤولًا ساميًا المحكمة العليا تحقق مع مسؤولين في قضية الجنرال هامل    الجوية الجزائرية تفقد أسهمها في سوق العمرة !    شيخ الزاوية القاسمية رئيس رابطة الرحمانية للزوايا العلمية يهنئ الرئيس المنتخب    الأكاديمية جميلة الزقاي تشرح واقع مسرح الطفل بدول المغرب العربي    ماجر يقصي محرز ويرشح ماني للفوز بجائزة أفضل لاعب إفريقي !    شد وجذب بين الحكومة وحركة الاحتجاج في اليوم ال11 للإضراب    هزتان أرضيتان بميهوب (المدية): عدم تسجيل أي ضحية أو خسائر مادية    كندا تكشف عن خطتها لاستقبال مليون لاجىء خلال العامين المقبلين    كرة القدم/الرابطة الأولى/اتحاد الجزائر: "حسابات النادي البنكية لا زالت مجمدة" (الإدارة)    قال القادر على قيادة الجزائر نحو مستقبل أفضل    تكريم المجاهد «مولاي الحسين» أحد صانعي مظاهرات 9 ديسمبر    قسنطينة    لمدة عامين    تحت شعار‮ ‬شجرة لكل مواطن‮ ‬    دعوة لتحقيق المطالب المشروعة للجزائريين    «عن ضمير غائب»    "انستار طولك" بالجامعة    6 أشهر حبسا ضد الأم السارقة    أسبوعان لتسوية ملفات أصحاب «المفتاح»    فن «القناوة».. عراقة الإيقاع بلمسة الإبداع    مفرغة عشوائية تهدد الصحة وتُسمم المحاصيل    وصفات طبية في قائمة الانتظار إلى غاية حلول العام الجديد!!    "سوسبانس" بسبب المستحقات    تعريف المتقاعدين بمستجدات صندوقهم    إعذار 76 مستثمرا متقاعسا    خلق التواضع    وباء الإنفلونزا الأكثر خطورة على الأطفال    صلاة المسافر بالطائرة أو القطار    أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم    الشيخ عبد الكريم الدباغي يفتي بضرورة المشاركة بقوة في الرئاسيات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نازية 8 ماي 1945: أفران السحل وغاز "الكلورفوروم"!
"الشروق أون لاين" يعيد فتح جرائم فرنسا في السبعينية

يستعيد الجزائريون، الجمعة، الذكرى ال 70 للمجازر النازية البشعة التي اقترفها سفاحو فرنسا وتسببت في قتل 45 ألف شهيد إثر محرقات مروعة ارتكبها جيش الاحتلال الفرنسي ضدّ مدنيين عزل في الثامن ماي 1945، عندما خرج مواطنون عزل في مناطق "سطيف، قالمة وخرّاطة"، للتظاهر سلميا مطالبين بالاستقلال، فسقطوا ضحايا لتنكيل وحشي يتناوله "الشروق أون لاين" في هذا الملف.
يقول الوجه الثوري المخضرم "الأخضر بورقعة"، إنّ الوضع العام قبيل تلك المجازر طبعته جهود حثيثة من مختلف ناشطي الحركة الوطنية التحررية في الجزائر، لتحرير كبار القيادات على غرار أب الحركة الوطنية "مصالي الحاج"، بجانب سعيهم لتحرير الجزائر من ربقة احتلال بدأ في جويلية 1830.
وحسب "بورقعة" فإنّ المظاهرات سعت بشكل ما إلى ممارسة ضغط على الفرنسيين من خلال إظهار قوة الحركة الوطنية ووعي جماهيرها بمطلب الاستقلال، ويضيف أنّ المظاهرات عمت كل القطر الجزائري في الفاتح ماي 1945، ورُفعت خلالها الراية الجزائرية، كما جرى فيها استنكار الاضطهاد الفرنسي للجزائريين .
واتخذت الادارة الاستعمارية الفرنسية مقتل اثنين من شرطييها في العاصمة، ذريعة لتبدأ سلسلة من الاعتقالات والضرب وجرح الكثير من الجزائريين، بينما تكثفت المظاهرات الشعبية الحاشدة في مدينة سطيف، لتشتدّ وطأة الرد الفرنسي باقدام عسكرييها على انتهاج أسلوب القمع والتقتيل الجماعي، في مخطط إبادة شاملة استخدمت فيه القوات البرية والجوية والبحرية، ما أسفر خلال يومي الثامن والتاسع ماي 1945، عن مقتل 45 ألف جزائري وتدمير أكثر من ثمانية آلاف قرية بأكملها، ووصلت تقديرات أخرى إلى الحديث عن سقوط بين 50 إلى 70 ألف شهيد في مجازر بشعة عرّت مستوى التحضر والحرية والإنسانية الذي طالما تفاخر الفرنسيون بتعاليمها.
من جانبه، يقول المجاهد المخضرم إبراهيم عليوش إنّ الكشّاف بوزيد سعال هو أول من استشهد في تلك المجازر عندما رفض إنزال العلم الجزائري فأطلقت الشرطة النار عليه، وأعقب تلك الإبادة فرضا للأحكام العرفية في كامل المنطقة واعتقال أربعة آلاف شخص حكم على 99 منهم بالإعدام، كما جرى إحراق المزيد من البلدات.
فظاعات زبانية "آسياري" و "خرجات" القتل
يصف الكاتب الفرنسي "رامسيس زانمبوني" مجازر الثامن ماي في الجزائر، بكونها تضاهي تلك المجازر المرتكبة ضد الهنود الحمر، ويقول الحقوقي الفرنسي "جيل مونسيرون"، إنّ المجازر المرتكبة كانت فظيعة للغاية، وارتكب فيها السفاح "أندري آسياري" وميليشياته جرائم عديدة، حيث جرى التنكيل بجثث آلاف الشهداء، غالبيتهم من الأطفال والرضع والنساء، وتمّ استخدام غاز "الكلورفوروم" الذي أدى إلى وضع كثير من المدنيين العزل في أكياس وحرقهم أحياء وهم مخدرين، علما أنّ الغاز المذكور يؤدي إلى تنويم الناس وشل أعضائهم وتعطيل نشاط الدماغ.
وأبرزت الجزائرية المغتربة "ياسمينة عدي" في عملها الوثائقي "الثامن مايو الآخر" حجم جرائم الثامن ماي 1945 عبر آليات ونتائج هذا القمع الاستعماري الذي اقترف في عديد المدن الجزائرية، وروت كيف تم تسخير آلة القتل الاستعمارية لقمع انتفاضة الجزائريين، الذين كانوا يطالبون بحقهم في الحرية واسترجاع استقلالهم.
واعتمدت المخرجة المذكورة على وثائق ومواد أرشيفية للإدارة الفرنسية، وكذا ما توفّر من أوراق مصالح الاستخبارات الإنجليزية والأمريكية، وشهادات أحد المحققين الأمريكيين الذي كان أول من وصل إلى عين المكان، إضافة إلى الأشخاص الناجين من تلك المجازر الجماعية المروّعة.
وكشف هذا العمل أيضا كيف قام العسكريون الفرنسيون بإنشاء ميليشيات تكونت من مئات السفاحين الكولونياليين (الأقدام السود)، الذين افتخر أحدهم بقتله 83 مواطنا جزائريا خلال مختلف (خرجات) القتل التي كانت تنظم في قرى ومداشر الجزائريين خلال الأسابيع التي أعقبت ذاك اليوم الأسود، ومن بين الشهود البارزين الذين أدلوا بشهادات، "شوقي مصطفاي" صانع العلم الجزائري الذي تم رفعه خلال مظاهرات الثامن مايو، و"عيسى شراقة" حامل العلم في مظاهرة سطيف، علاوة على عدد ممن حُكم عليهم آنذاك بالإعدام.
وقالت "عدّي":"إننا في الجزائر نتكلم عن 45 ألف ضحية، في حين تعترف السلطات الفرنسية بسبعة آلاف قتيل"، وتكتسي هذه الحصيلة في ضفتي المتوسط قيمة رمزية، فمن جهة لكونها آثار قمع استعماري أريد إخفاؤه، ومن جهة أخرى هي مجازر ترمز إلى بداية الإرادة في الاستقلال الوطني.
رمزية "خرّاطة"
يقول أستاذ التاريخ "نور الدين عيطل" إنّ خراطة المرتبطة برمزية الثامن ماي، عاشت آنذاك نشاطا سياسيا في عهد فرحات عباس الذي كان يترأس حزب البيان الجزائري وينشط مع الحركة الكشفية التي كان يتزعمها وقتها في مدينة خراطة ربيع بوشامة، موضحا أن فرحات عباس كان كل يوم ثلاثاء يزور المنطقة ويعمل على بعث الحس المدني وتجنيد الشعب من أجل العمل في سبيل الحركة الوطنية آنذاك.
وأفاد "عيطل" رئيس جمعية الثامن ماي بخراطة، أنّ سقوط مدينة باريس في يد الألمان بتاريخ العاشر جوان 1940 اعتبر مهزلة لفرنسا، ودفع ذلك إلى انقسام جيشها والانتقام من مستعمراتها، وهو ما برز مع إنزال قوات الحلفاء في مدن خراطة وسطيف وبجاية، ودليل ذلك وجود نقوش لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم.
وربط "عيطل" أحداث الثامن ماي أيضا بانعقاد مؤتمر برازافيل في الكونغو سنة 1944، وإعلان الجنرال ديغول عن منح الحكم الذاتي لكل مستعمرات فرنسا في إطار سياسة الوعود الكاذبة الباحثة وقتذاك على وأد التيار التحرري الذي بدأ يظهر جليا منذ عام 1943، ويؤكد عيطل أنّ كل تلك الظروف هيّأت الأجواء لتنظيم مظاهرات الثامن ماي التي كانت في بدايتها مظاهرات سلمية والكل تجند وراء فرنسا كي يشاركونها فرحة الانتصار على النازية، لكن الفرنسيين استغلوا الفرصة للانتقام والردّ بطريقتهم على مطالب بيان فيفري 1943، وهو ما ظهر جليا من خلال المجازر الرهيبة المرتكبة التي تبقى وصمة عار في جبين فرنسا.
وسلّط عيطل الضوء على أحداث التاسع ماي، مع عودة بعض جرحى المظاهرات، حيث التف السكان حولهم لتتحرك مظاهرات متجددة، وكان الرد الفرنسي عليها بقتل الآلاف فضلا عن الحكم بإعدام 60 مواطنا، فيما تمّ رمي العديد من الضحايا من وفق الجسور ووسط الشعاب، وتمّ إبادة عائلة بكاملها وهي عائلة "محمد حنوز".
وينتهي عيطل إلى أنّ جريمة الثامن ماي وصمة عار في جبين فرنسا، لذا فإنّ جمعيته تحاول دائما التذكير بهذه المناسبة الأليمة وغرسها في أذهان الأجيال الصاعدة، من خلال الملتقيات والمحاضرات وسائر النشاطات.
وبدوره، يقول "رابح قويدري" رئيس جمعية الثامن ماي، إنّه بهذه المنطقة وقبل المظاهرات بحوالي أسبوع، خرج الراحل "الحاج مصالي" من السجن والتقى بقادة الحركة الوطنية على مستوى الولاية، وأعطى تعليمات بعدم الخروج للاحتفال مع الفرنسيين يوم الثالث ماي، وجرى تحديد الثامن من الشهر ذاته المصادف للسوق الأسبوعية في سطيف كيوم للاحتفال وتذكير فرنسا بالوعود التي أعطتها للشعب الجزائري من أجل نيل الحرية والاستقلال.
وحشية استمرّت إلى 17 جوان 1945
أكّد "قويدري" أنّ المظاهرة التي انطلقت من مسجد أبي ذر الغفاري مرورا بالشارع الرئيس "أول نوفمبر"، كانت سلمية وتمّ خلالها رفع الأعلام الوطنية وإطلاق شعارات تنادي بحياة الجزائر والاستقلال، لكن فرنسا قمعتها بوحشية لا توصف، مضيفا أنّ مظاهرة مماثلة نظمت يوما من بعد، قادها الفوج الكشفي "الأمل" بقيادة المرحوم "محمد الطيب حكيمي" واستمرت إلى غاية منتصف الليل، ما اضطر الدرك الفرنسي إلى محاصرة المتظاهرين، وفي اليوم الموالي جاء الدعم العسكري الفرنسي ليبدأ القصف العشوائي للقرى والمداشر وملاحقة السكان على مستوى الشوارع والغابات والجبال، وهو وضع استمر حتى السابع عشر جوان 1945.
وأكد قويدري أنّ المجازر بمنطقة بني عزيز خلفت 375 شهيدا من مختلف الفئات وخاصة المتعلمين بينهم "محمد الطيب حكيمي"، كما جرى تدمير حوالي سبعمائة مسكن والحكم بإعدام 70 شخصا آخر.
ويركّز قويدري على أنّ الثامن ماي: "سيبقى في ذاكرتنا بقوة ولن يُنسى وهو دافع لاستلهام الروح الوطنية التي يستمدها الشباب من تلك التضحيات"، ويشير إلى أنّ ما نفذه المحتلون قبل 65 عاما جريمة ضد الإنسانية وليست معرّضة إلى التقادم ويجب أن يعاقب المجرمون على فعلتهم، وطالب قويدري البرلمان الجزائري بأن يسعى إلى تجسيد قانون تجريم الاستعمار ومحاكمة مجرمي الحرب الذين قاموا بتلك الجرائم البشعة.
سُعار إرهابي
أبرز شهود عيان همجية جنود الاحتلال الفرنسي وقتئذ، حيث هاجم هؤلاء ضحاياهم في صباح ذاك اليوم الأسود مستعملين مدفعيات محشوة بمادة الكلورفوروم، قبل وضع ما يقارب 2500 شهيد في أكياس وحرقهم أحياء، وهي جريمة دفعت المؤرخ الفرنسي جان لوي بلانش إلى وصف مجازر الثامن ماي ب "إرهاب دولة". وأوضح بلانش الأستاذ بجامعة باريس، أنّ مصالح المخابرات الأميركية التي عرفت آنذاك باسم "أو أس أس" والتي تم حلها في سبتمبر 45 لتستخلفها المصالح المعروفة اليوم ب "السي أي إيه"، أشارت في تقاريرها إلى أن ما حدث قبل 70 سنة "يعدّ إرهابا مباشرا ارتكب في حق الجزائريين".
وروى "عبد الله يلس" الذي لا يزال على قيد الحياة، بعدما أصيب في رجله اليمنى وكان سنه وقتها لا يتجاوز ال 20 ربيعا، أنّ عناصر شرطة الاحتلال كانوا في حالة سعار غريب، حيث راحوا يهجمون على المتظاهرين العٌزل ك "الوحوش الضارية"، وتعالت حسبه "الطلقات الهمجية" مخلفة وراءها بركانا من الدماء، ويروي يلس عبد الله بلهجة دامعة: "رأيت بأمّ عيني جثثا مرمية في الخلاء".
واستحضر "ربيع لكحل" (76 عاما) متأثرا أنّ ما خفي من الجريمة كان أدهى وأعظم، إذ قام المحتلون ببقر بطون عشرات النساء وتحويل جثث الأبرياء إلى رماد، ويحكي أنّ 14 امرأة جرى بقر بطونهنّ في ليلة واحدة من طرف السفاح المدعو "أشمول"، ويضيف العجوز باكيا أنّ المحتل ترك جثث الضحايا متراكمة لترهيب السكان المحليين. والمثير، أنّه بعد سماع الإدارة الكولونيالية بقدوم لجنة تحقيق أوروبية للتحري بشأن ما وقع في المجازر، سارع الجنود الفرنسيين إلى حرق الجثث لمحو آثار التقتيل والتنكيل الهمجي ! .
وبدوره، يشير "عبد الحميد سلاقجي" رئيس جمعية 8 ماي 1945، أنّ تلك الأحداث الأليمة هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كاشفا أنّ شهر ماي 1945 شهد ارتكاب جرائم كثيرة من لدن فرنسا، بالتزامن مع نضال الحركات الوطنية آنذاك وعلى رأسها حزب الشعب الجزائري آنذاك. وتساءل محدثنا كيف أنّ فرنسا التي شاركت في صياغة ميثاق حقوق الإنسان والتي طالما تغنت بها وهي التي حاكمت بعض مجرمي الحرب، تقدم على ارتكاب تلك المجازر ولا تحاكم مجرميها الذين ارتكبوا أبشع أنواع التقتيل في حق الجزائريين، وأضاف محدثنا أنّ فرنسا مسؤولة عن تلك الجرائم والوثائق والدلائل موجودة.
شهادات مثخنة
سرد "محمد الهادي شريف صغير" أنّه كان يشتغل آنذاك في وزارة الأشغال العمومية والبناء الفرنسية، وتابع يقول: "كان في عمري 22 سنة ولاحظت التحمّس الكبير للشبيبة الجزائرية في ذلك الوقت نتيجة الظروف التي كانت سائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانكسار شوكة النازية، إضافة إلى الخطب التي كان يلقيها زعماء الحركة الوطنية آنذاك".
واستطرد شريف: "كنا ننوي المشاركة في المظاهرات ابتهاجا بانهزام النازية وتذكير فرنسا بالوعد الذي أعطتنا إياه في منحنا الاستقلال والحرية، وقبل ذلك قمنا بمظاهرات في الفاتح ماي كمناضلين ونقابيين ولم يكن هناك ضحايا خلالها في سطيف رغم بعض المناوشات الخفيفة"، مضيفا:" قبل الثامن ماي بحوالي يومين، جاء الراحل فرحات عباس إلى سطيف، وألقى خطابا في قاعة الأفراح كشف فيه عن وجود مؤامرة لتكسير حزب أحباب البيان والديمقراطية".
وأوضح شريف: "جاء خلال تلك الفترة أيضا عمار أوزقان الكاتب العام للحزب الشيوعي الجزائري الذي كان يميل كثيرا للحركة الوطنية، وألقى خطابا أيضا أعاد فيه ما قاله فرحات عباس، ونصحنا في حال قيامنا بمظاهرات بأن تكون سلمية وحذرنا من الوقوع في أي فخ للاستعمار الفرنسي قد ينصبه لنا"، وهي النصيحة ذاتها التي أسداها لنا "الشاذلي مكي" الذي كان إطارا في حزب الشعب، واعتبارا لهذه النصائح قمنا بالتجردّ من الأشياء المضرّة مثل العصي والسكاكين وغيرها التي كانت بحوزة المتظاهرين".
واسترسل شريف:" كان يوم ثلاثاء وهو يوم السوق الأسبوعية، وكانت مهمتي في المظاهرات جمع الأعلام الوطنية، أتى جمع غفير من الناس إلى مسجد جمعية العلماء المسلمين المعروف حاليا بمسجد أبو ذر الغفاري، لتنطلق المسيرة في حدود الثامنة صباحا وسط تنظيم محكم، وتصدّر المسيرة أشبال الكشافة وقادتها، وحمل هؤلاء الرايات الوطنية، منادين بالاستقلال".
ويستحضر شريف أنّ الفرح كان يغمر الجميع نتيجة الوعود الفرنسية بمنح الاستقلال للجزائريين نظير مشاركتهم في هزم النازية، ويواصل سرده التفصيلي: "أخذنا طريق "كليمنسو" الذي يؤدي إلى قسنطينة، وعند وصولنا إلى مفترق الطرق بين قهوة "جانجون" وقهوة "مارتيناز" ودكان "شوس أندري"، رأينا سيارة الشرطة القضائية الفرنسية التي أوقفت المسيرة بعد تركها أشبال الكشافة يمرون رفقة الفرقة الموسيقية، واتجهوا نحو حامل العلم الوطني "عيسى شراقة" وبعد التدافع الذي حصل، سقط العلم على الأرض فحمله سعال بوزيد، وقتها جرى إطلاق الرصاص فسقط بوزيد وتم حمله إلى المستشفى ليستشهد هناك".
ويفيد محدثنا أنّه نتيجة لإطلاق الرصاص الكثيف، أصيب هو الآخر وتمّ نقله إلى المستشفى، ويذكر أنّ العديد من المدنيين الفرنسيين كانوا بالقرب من المكان، لجأوا إلى بيوت الجزائريين لينجوا بأنفسهم، بينهم امرأة فرنسية كانت تعمل مع شريف.
ويستطرد شريف: "في حدود الساعة الحادية عشر صباحا، عمّ هدوء خفيف لكن سرعان ما تفجر الوضع من جديد بعد وصول عدد كبير من قوات الجيش الفرنسي، ومع حلول المساء جاء الجنود وأخذوني من البيت إلى المعتقل مع لخضر تعرابيت وعبد الحميد بن زين، أما كاتب ياسين فجرى أخذه مباشرة إلى الثكنة، لكن أنا بقيت هناك اثنا عشر يوما وتٌركت أربعة أيام بدون أكل وشرب، وسط تعذيب مارسه الجنود، في حين كان غالبية السجناء يعانون من التيفوئيد وغيره من الأمراض المعدية".
التقينا شاهدا ثالثا على تراجيديا الثامن ماي، وهو "لحسن بخوش" (84 عاما) الذي رأى ما حدث في خراطة وكان أحد المحكوم عليهم بالإعدام في تلك المظاهرات، ويستذكر بألم الذي وقع قائلا: "كان سني يومها لا يتعدى السادسة عشر، وشاركت في المظاهرات بصفتي كشافا حينذاك، لم نكن نعلم في خراطة بما حدث في سطيف، إلا بعد رجوع حافلة هشمها الرصاص، وأعلمني الشيخ بوهاوي أنّ (الجهاد في سبيل الله قام في سطيف)، فذهبنا إلى الدواوير لنعلمهم بما جرى ونستعد للنزول، ردا على عدم وفاء فرنسا بوعدها للجزائريين بمنحهم الاستقلال.
وأضاف: "وسط استجابة واسعة خضنا مظاهرات حاشدة يوم التاسع ماي إلى غاية منتصف النهار، قمنا أثناءها بحرق بعض المؤسسات والإدارات الفرنسية، وأنا شخصيا أضرمت النار في كل من مركز البريد والمحكمة، حتى جاء الجنود الفرنسيين وشرعوا في إطلاق الرصاص عشوائيا، لم يفرقوا بين صغير أو كبير أو بين رجل وامرأة، فهربنا إلى الجبال وبقينا هناك يومين، إلى أن جاء الجنود وطلبوا منا النزول وقالوا لنا.. ديغول جاء ليعطيكم الاستقلال ونزلنا مثلما طلب منا، لكنها كانت خدعة تمّ على إثرها اعتقالنا واقتيادنا إلى الثكنات وهناك تعرضنا إلى التعذيب والاستنطاق، كما طُلب منا نزع ملابسنا والاستلقاء على (الزفت)".
وبنبرة متأثرة بما طاله منتصف أربعينيات القرن الماضي، أرانا - عمي لحسن- بعض آثار التعذيب التي بقيت على رجله، وسجّل أنه من شدة التعذيب قال لمستنطقه إنه هو من قام بكل شيء، ليصدر عليه القضاء الفرنسي حكما بالإعدام، وتمّ نقله إلى سجن قسنطينة، وهناك التقى الدكتور سعدان والشيخ الإبراهيمي وفرحات عباس الذي قال "يد الله فوق أيديهم".
وأكّد بخوش أنّ ال 172 سجينا محكوم عليهم بالإعدام كانوا في سجن قسنطينة، مشيرا إلى أنّ المستعمر قام بقتل 5 مواطنين جزائريين من كل قرية، وبشأن ما حصل لاحقا يضيف بخوش: "وعدنا أحدهم كان يدعى بن جلول بأنه سيقنع الحاكم الفرنسي بنزع حكم الإعدام عنا، وهو ما حدث وجرى نقلنا إلى سجن الحراش عبر القطار، وتعرضنا إلى معاملة سيئة على مدار خمسة عشر سنة كاملة، كنا نسمع ما كان يجري في الخارج سواء بانتصارات المجاهدين خلال الثورة أو الجرائم التي كانت ترتكبها فرنسا في حق الجزائريين".
ويعتبر بخوش أحداث الثامن ماي سببا مباشرا لاندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954، ودعا الأجيال الصاعدة إلى أن تصون هذه الأرض الطيبة التي استشهد من أجلها أبطال عظماء، بفضلهم أصبحت الجزائر تنافس الأمم الكبرى في شتى المجالات.
بعدها انتقلنا مباشرة إلى بلدية عين الروى التي تبعد عن مقر ولاية سطيف بحوالي 27 كلم، والتقينا هناك المجاهد ساعد بن علي لصلج الذي يدنو سنه من ال 90، ببيته المتواضع أشار إلى أنّه في ذلك اليوم الأسود كان مع والده في السوق حينما سمعا طلقات رصاص كثيفة في حدود منتصف النهار، ويشرح ساعد أنّ الجنود الفرنسيون أطلقوا الرصاص عبثيا على الناس، وهو ما دفع سكان عين الروى للخروج في مظاهرات بعد سماعهم بما جرى في سطيف، ويضيف ساعد: "في الغد جاء العساكر الفرنسيون وجمعوا الناس وقاموا بقتل العديد منهم في بوعنداس، زغار، خراطة، بني عزيز، عين الكبيرة وقالمة، وبعين الروى قتلوا 9 أبرياء".
ويقول ساعد والدموع تسيل من عينيه: "بدأ الثوار بإعدادنا للثورة من خلال حفر المغارات، عملنا تسع سنوات وسارت الأمور على تلك الوتيرة حتى جاءت ثورة الفاتح نوفمبر 1954".
اعتراف باريسي محتشم
أقدم "جان مارك تودوتشيني" كاتب الدولة لدى وزارة الدفاع الفرنسية، مؤخرا على المشاركة في وقفة ترحمية بمدينة سطيف، وتعدّ وقفة "تودوتشيني" سابقة من نوعها، حيث لم يسبق لأي مسؤول حكومي فرنسي أن أتى إلى الجزائر وترحّم على أرواح الأبرياء الذين عصفت بهم جرائم الإبادة المهولة للجلادين الفرنسيين قبل 70 عاما.
وبعد وضعه إكليلا من الزهور على نصب "بوزيد سعّال" أول شهيد جزائري في تلك المجازر الرهيبة، صرّح المسؤول الفرنسي:"وجودي هنا إشارة قوية نحو أصدقائنا الجزائريين، وتعترف فرنسا بآلام الجزائريين، وتستذكر أرواح الضحايا الذين سقطوا في سطيف، قالمة وخراطة، كما أدعو إلى قيام اتحاد جزائري فرنسي يكفل احترام الذاكرة المشتركة للشعبين".
وبدا واضحا أنّ فرنسا التي أوفدت "تودوتشيني" ووقوفه إلى جنب الوزير الجزائري للمجاهدين القدامى "الطيب زيتوني"، أتى كرسالة قوية من باريس للمضي في مسار الاعتذار عما اقترفته جيوشها في الجزائر على مدار 132 عاما، في خطوة تأتي بعد الرسالة الشهيرة التي بعث بها الرئيس الفرنسي "فرنسوا هولاند" إلى نظيره الجزائري "عبد العزيز بوتفليقة" في العشرين أوت 2012، وأبرز فيها اهتمام باريس بلململة جراح الذاكرة.
وعلى هامش الاجتماع الثاني للجنة البرلمانية الكبرى الفرنسية الجزائرية بباريس في 19 جوان 2014، جرى تدشين نصب تذكاري لضحايا مجازر 8 ماي 1945، وهو ما شكّل سابقة أولى من الجانب الفرنسي الذي يستمر مسؤولوه في محاولاتهم ل"تحييد" رهان الذاكرة" عن مسار العلاقات بين الدولتين .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.