يعتقد رئيس خلية المساعدة القضائية لتطبيق الميثاق من أجل السلم والمصالحة، المحامي «مروان عزي»، أن قرار رفع حالة الطوارئ يُعتبر بمثابة مكسب إضافي من مكاسب مسار المصالحة في الجزائر، مثلما يؤكد في هذا الحديث الذي خصّ به «الأيام» بأن رئيس الجمهورية «عبد العزيز بوتفليقة» أسقط هذه الورقة نهائيا من أي استغلال سياسي أو مزايدة بعض الأطراف، متوقعا في المقابل أن يتبعها مزيد من التدابير الأخرى في اتجاه تعزيز الحريات وحماية حقوق الإنسان. هناك الكثير ممن يتساءل عن طبيعة المرحلة الجديدة التي تُميّز فترة ما بعد قرار إلغاء حالة الطوارئ، كما أن هناك استفهامات عديدة عن الأمور التي يُمكن أن تتغيّر بعد 19 عاما من سريانها. من موقعكم كرجل قانون ما الذي ستنفرد به هذه الفترة الجديدة؟ في الحقيقة لم أكن شخصيا أشعر - مثل بقية الجزائريين- بآثار حالة الطوارئ على أرض الواقع، صحيح أن هناك إجراءات أمنية زيادة على الوضع العادي نتيجة التفجيرات الإرهابية التي استهدفت عدة مؤسسات رسمية في العاصمة في العام 2007، ولكن من خلال قرار رئيس الجمهورية رفع حالة الطوارئ بشكل رسمي فإننا نتوقع أن يتغيّر هذا الوضع خلال المرحلة الجديدة، ومن ثم الاتجاه نحو تعزيز الحريات الفردية والجماعية بشكل أكبر وهو ما لمسناه من خلال التعديل الذي حصل على قانون الإجراءات الجزائية بخصوص الأشخاص المتورطين في الأعمال الإرهابية أو الذين بحوزتهم معلومات الذين يستفيدون من الحماية من خلال وضعهم في أماكن آمنة، وهذا في حدّ ذاته إجراء هام يضمن تعزيز الضمانات الممنوحة لهؤلاء. هذا الأمر يُبيّن بأن المصالحة الوطنية أتت بنتائج لا يُمكن أن نُنكرها في الميدان والواقع اليومي للجزائريين، والدليل على ذلك أن بلادنا تسير في إطار جديد من الانفتاح السياسي والإعلامي، بما يعني كذلك رفع بعض الضوابط والقيود التي كانت سارية في فترة سابقة وفي مقدمتها رفع الحواجز الأمنية التي كان المواطن يألفها في عدة مواقع خاصة في العاصمة، وهذا كله يعكس نوعا من الاستقرار الذي وصلنا إليه باعتباره مكسبا من المكاسب المهمة التي تحقّقت في الجزائر. تتحدّثون عن الحريات ورفع القيود في وقت يقول فيه وزير الداخلية، «دحو ولد قابلية»، إن الوقت غير مناسب لاعتماد أحزاب جديدة، هناك من يعتبر هذا الموقف تقييد للحريات وإبقاء على نفس الوضع السابق؟ من موقعي رجل قانون لا يُمكن أن أعلّق على أمور لست على علم بتفاصيلها، فهناك مرسوم صدر يقضي برفع حالة الطوارئ بعد 19 عاما من العمل بها، وإضافة إلى ذلك هناك ثلاثة أوامر رئاسية يُحدّد أولها آليات العمل المشترك بين وزارتي الدفاع والداخلية، فيما يتعلق الأمر الثاني بوضع الجيش في حالات استثنائية لمحاربة الإرهاب، إلى جانب أمر ثالث يُعنى بتعديل قانون الإجراءات الجزائرية. الآن يجب أن ننتظر صدور النصوص التنظيمية المتعلقة بكيفية تطبيق هذه التدابير حتى يكون بإمكاننا التعليق عليها. إذن أين تكمن أهمية تعديل مادة واحدة من قانون الإجراءات المدنية ما دامت النصوص التنظيمية لم تصدر بعد وفق ما أشرتم إليه؟ عموما فإن التعديلات التي حصلت على قانون الإجراءات الجزائية تُكرّس لأول مرة مسألة الاتصال بين العائلة والمحامي من جهة والمتهم بحيازة معلومات متعلقة بالجماعات الإرهابية من جانب آخر، ففي السابق كانت هناك اتهامات تُوجّه إلى مصالح الأمن على أساس أنه يتم توقيف هؤلاء المتهمين تعسفا، وبالتالي فإن الإجراءات الجديدة كفيلة بإبعاد الشُبهة التي كانت حاصلة، والآن أصبح قاضي التحقيق الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار قرار وضع المتهمين في مثل هذه القضايا ذات الصلة بالإرهاب في أماكن آمنة، وعليه فإن مثل هذه الأمور الإيجابية وجب علينا أن نُثمّنها. واللافت أنه في مجال حقوق الإنسان والحريات دائما ما نطلب المزيد مهما كانت طبيعة المكاسب التي حقّقناها، وبالتالي فإننا نرى في تدابير الحكومة خطوة لتجنب أي انزلاق للدخول في متاهات وكذا غلق الباب أمام التأويلات والمزايدات، وهي كذلك تعزيز لدولة القانون خاصة في ظل التغيّرات الدولية الحاصلة التي لا تسمح بالانغلاق والنظرة الضيقة، هذا ما يدفعنا إلى التأكيد بأنه من الضروري ومن مصلحة البلاد الانفتاح أكثر نحو ضمان مزيد من الحريات. تذهب العديد من القراءات إلى اعتبار قرار رفع حالة الطوارئ تتويجا لآخر نتائج تدابير المصالحة الوطنية، ما تعليقكم على ذلك من منطلق أنكم تترأسون حاليا ما يسمى خلية المتابعة القضائية لتطبيق الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية؟ لا أعتقد ذلك لأن رفع حالة الطوارئ - كما سبق وأن أشرت إليه في البداية- إجراء يُبيّن على أن هناك مكاسب لا يُمكن لأحد أن يُنكرها أو حتى الاستهانة بها، ولكن مع ذلك هذا القرار لا يعني أن المصالحة الوطنية وصلت آخر المطاف وإنما هناك بعض الإجراءات الأخرى الواجب اتخاذها حتى نُبعد الجزائر نهائيا عن أي اضطرابات محتملة. وفي رأيي فإن رفع حالة الطوارئ هو إجراء إيجابي جدا، لكنه ليس آخر دواء بالنسبة للمصالحة الوطنية عل أساس أننا لا زلنا ننادي إلى ضرورة مواصلة الحوار كخيار أمثل لحل كافة المشاكل المنبثقة عن المأساة الوطنية وكذا الاستماع إلى انشغالات الشباب، فتوسيع المصالحة أمر ذو أهمية بالغة لأن هناك الكثير من الفئات التي تنتظر إجراءات إضافية لفائدتها مثل معتقلي الصحراء والمسجونين بتهم الإضراب الحاصلين على براءة وكذا المتضرّرين من الخسائر الاقتصادية الذين يُطالبون بدورهم بالتعويض. لا يهم إن كانت هذه التدابير عفوا شاملا أو شيئا آخر، ما يهمنا أكثر هو أن تؤدي التدابير التي أتحدث عنها في نهاية المطاف إلى غلق كافة الملفات. الواضح أن الإجراءات التي أقرّها رئيس الجمهورية في آخر اجتماع لمجلس الوزراء لم تشفع كليا بوقف محاولات تنظيم مسيرات في العاصمة، هل تعتقدون بأن الجهات التي تقف وراء هذه المساعي لا يهمها استقرار البلاد؟ مرة أخرى أؤكد بأنني مجرّد رجل قانون ولست مخوّلا هنا للتعليق على مثل هذه الأمور، ولكن مع ذلك فإنه للإجابة على هذا التساؤل أريد أن ألفت إلى أمر مهم بالنسبة إلى ما يجري الآن من تحرّكات، ودعنى أقول بموجب ذلك بأن التاريخ يُعيد نفسه مرة أخرى، فالأشخاص الذين يطالبون الآن بالتغيير هم الذين كانوا يستثمرون في ملف المفقودين في إطار الضغط على الحكومة بالاستنجاد ببعض المنظمات الحقوقية الدولية، وبمجرّد أن أخذ هذا الملف (المفقودون) طريقه إلى المعالجة بفضل تدابير المصالحة تمّ سحبه من سوق المزايدات في حين بقيت حوالي 10 عائلات تستثمر فيه. والآن يحدث الأمر ذاته بالنسبة إلى رفع حالة الطوارئ لأنه كان هو الآخر ورقة لدى هؤلاء، ومن الطبيعي إذن أن يبحث المزايدون عن أساليب أخرى لتبرير إفلاسهم.