الفريق ڤايد صالح يشرف على تنفيذ تمرين الرمايات بالصواريخ    حادث مروّع بالطريق السيار عند مدخل الشلف    مقتل 12 قرويا في هجوم إرهابي لبوكو حرام على الحدود مع نيجيريا    جونسون يحض ترامب على إزالة العوائق من أمام الشركات البريطانية    إدراج مقياس «حماية المستهلك» بمعهد التّكوين المهني بتسمسيلت    بلماضي يضم دراوي لتعويض بن خماسة في المنتخب الجزائري للمحليين    مكتتبو برنامج «عدل 2» يقرّرون وقفة احتجاجية    تايوان في طوارئ لمواجهة إعصار «بايلو» المرعب    برنامج لاستحداث 11 مقبرة جديدة بالعاصمة    «براغيث» في مسرح الهوّاة بمستغانم ومهرجان الجريد بتونس    وزير الداخلية يستمع إلى انشغالات ممثلي جمعية متقاعدي الجيش    العرض العالمي الأول للفيلم ضمن قسم أيام فينيسيا    وزارة التربية تنشر المدونة الرسمية للأدوات المدرسية للموسم 2019/2020    دحمون ينصب المدير الجديد للأمن الوطني (صور )    انفراج ازمة شركات المسجونين    40 عضو من اللجنة المركزية يتمردون على جميعي    مانشستر سيتي يتقدم للمركز الثاني    بلمداح: وزراء في السجن ووزيرة تستقيل حلم تحقّق !!    لا أزمة في الحليب    سليماني يسجل أول هدف له مع موناكو    ” كورتاج” عرس يتحول ل مأتم    بالفيديو: سليماني يعود إلى ممارسة هوايته المفضلة في أول لقاء مع موناكو    سوناطراك الأولى إفريقيا    الجزائر: التضخم بلغ نسبة 7ر2% على أساس سنوي إلى غاية شهر جويلية 2019    5 فنانين في تظاهرة “أيام معسكر شو” للمونولوج بمعسكر    إحالة ملفات أزيد من 20 مستثمرا بالعاصمة على العدالة    جيجل تحقق انتاجا ” قياسيا” في القمح والشعير    الوفاق يتعثر بميدانه و "البرايجية" يتفوقون في بلعباس    برشلونة يتبرأ من ملاحقة نجم جوفنتوس    والي العاصمة:اجراءات جديدة لضمان دخول مدرسي مريح    تفكيك شبكة دعارة تتكون من 06 اشخاص بينهم فتاتين بتبسة    أمطار رعدية مرتقبة على ولايات شرقية داخلية    في بيان صادر عن وزارة الدفاع الوطني    حسب خلية الاتصال بمركب "توسيالي" للفولاذ بوهران    خلال لقاء فريقه ضد تيليكوم جيبوتي    منذ منتصف شهر أوت الجاري    بعد قبول أربعة طعون‮ ‬    3‭ ‬ملايين شخص بحاجة لمساعدات‮ ‬    يملكون صفة ضابط الشرطة القضائية‮ ‬    بعد ضغوط أوروبية على رئيس البرازيل    أغلبهم من ذوي‮ ‬الأمراض المزمنة‮ ‬    أقمصة "طايال" تثير الجدل    توقيف المرشح للرئاسيات نبيل قروي بتهمة الفساد    «سبيل»    ماكرون يدعو لتفادي نشوب حرب تجارية    صالون الطفل وكتاب الشباب    18 نصا قصصيا بالعربية والإنجليزية    الجمهور يرقص على إيقاع الموسيقى السطايفة والراي    «مؤسستنا تتعامل مع كبريات الشركات البترولية العالمية»    "تفضّلي يا آنسة" في المسابقة الرسمية    وصول الفوج الأول من حجاج أدرار إلى مطار سيدي محمد بلكبير    شدد على ضرورة الإستغلال الأمثل للهياكل المستلمة‮.. ‬ميراوي‮:‬    للحفاظ على توازنات صناديق الضمان الاجتماعي    إرتفاع عدد وفيات الحجاج الجزائريين إلى 25 شخصا    عملة لصفقة واحدة    المال الحرام وخداع النّفس    الثراء الفاحش.. كان حلما جميلا فصار واقعا مقززا    الذنوب.. تهلك أصحابها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دَرْسٌ بليغٌ في الحُبّ.!
ربيعيات
نشر في الجمهورية يوم 17 - 06 - 2019

كم من الوقت مر على تلك الفتاة الخارجة للتو من الطفولة نحو المراهقة. ما أن ترجع إلى البيت، وتخلع عنها مئزرها المدرسي الوردي، وتضع محفظتها في المدخل أمام مرآة البهو، حتى تتهيأ للخروج من جديد متوجهة نحو سوق لاباستي العريق، لتشتري ربطة نعناع من عند «خالتي مامية» بائعة الحشيش، يعني بائعة النعناع والمعدنوس والقسبر والكرافس وغيره.
تسير الفتاة الصغيرة بثقة وهدوء، كمن يملك أجنحة. المسافة ليست بعيدة، فبين سكنها في حي بلاس دي فيكتوار وحي لاباستي بضع دقائق فقط من الطريق، ومن زرقة البحر المحاذي، يرافقها دوما وهو يبتسم. ثم إن زوجة أبيها تفضل شاي المساء بالنعناع الطازج، الذي ينعش الروح ويعطر لغة الأمكنة. الفتاة الصغيرة تلك يسعدها انشراح أسارير وجه زوجة أبيها وتفضل رضاها.
ثم إن الفتاة الصغيرة التي كنتُ، يأسرها ذلك الجزء الأخير من اليوم، تقول إن اليوم مقسم على أربعة فصول، وإنه الجزء الذي يشبه فصل الخريف. يهبط فيه المساء على مهل يختم النهار رويدا رويدا، قبل أن تشتعل قناديل مدينة وهران كلها.وتبدو وجوه الناس مبتسمة، أصواتهم أكثر بهجة. ربما لأن القلوب آنذاك كما البلاد، كانت تختزن الكثير من الأمل في المستقبل وترى أفقا زاهرا من الأحلام.
كم من الزمن مر على ذلك الزمن؟!.
كم مر منه لكي يتغير كل شيء. لكي تضيق رمزية شوارع المدينة التي كانت تبدو واسعة، ويخبو الضوء الذي كان يبدو أكثر قوة في الفضاء وفي عيون الناس المليئة بالمحبة، وتبرد زرقة البحر الصاخبة بالقصص والحكايات، وتختفي الابتسامات التي كانت تشع من ملامح الوجوه. كم الوقت مر لكي تطفو على السطح عاهات العصر البغيضة الآليات المالية تستوطن كل جزيء من الحياة، الاتفاقيات النووية، وحروب الطاقة، والحروب الباردة والحارقة، والأزمات الدولية وخيارات الأمر الواقع، والخيانات بكل أنواعها.
كم من الزمن؟ ثم ما هو الزمن؟
لا أحد يدري، حتى فيلسوفنا السوقهراسي الكبير سانت أوغستان 354-430 يعترف في مؤلفه الشهير «الاعترافات» Les confessions ، بأنه قد يعرف ما هو الزمن، ولكنك إذا أنت سألته عنه فإنه لن يستطيع أن يجيبك.
وتمضي الفتاة الصغيرة بخطواتها التي تشبه خطوات راقصة البالي. تتوجه نحو لاباستي، و بالضبط نحو الركن الذي تجلس به خالتي مامية بائعة النعناع لتختار لها بيديها المزينتين بمسايس من الفضة ذات الرنين الرائع، ربطة نعناع قادرة على أن تنعش بعطرها العجيب الساحر كوكبا بأسره. الربطة التي ستعتلي سينية الشاي النحاسية المغطاة بمنديل شفاف مطرز، المأهولة بكؤوس تعلوها رغوة الشاي مثل تيجان من اللؤلؤ. سترافق سهرة الخميس أو السبت المخصصة لفيلم السهرة، التي تبثه الشاشة الوحيدة في فضاء السمعي البصري آنذاك للتلفزيون الجزائري، الذي عادة ما كان يعرض أهم وأجمل الأفلام الناجحة والمقتبسة من الروايات العربية والعالمية، مثل زوربا الإغريقي أو آنا كارنينا أو اللص والكلاب أو ردّ قلبي أو الأطلال أ وأفلام منقحة) من بطولة الفنانة الأسطورة مريلين مونرو وغيرها .
الفتاة التي تسير نحو لاباستي كانت تهوى الشعر والروايات والأغاني وأهم الأفلام الجزائرية الناجحة والأفلام العربية والعالمية وتستدرجها خاصة جوانبها الرومانسية التي تتحدث عن الحب.
ما الحب؟
الإنسان يحبُّ الحبَّ فقط . الإنسان يتخيل له أنه يحب ولكنه في الحقيقة يجري وراء فكرة الحب. هذا جواب الأديب المجرِّب الذي عاش طويلا جان دورميسون العجيب
- وهل من إجابة أخرى أو اقتراب آخر؟
الفتاة الصغيرة الرومانسية تلك كانت تبحث عن إجابة في الشعر العذري وألف ليلة وليلة وجبران خليل جبران والمنفلوطي وجيرار دي نيرفال ولوي أراغون ورامبو وروايات إحسان عبد القدوس وأغاني أحمد وهبي وعبد الحليم وداليدا وجورج شاكيريس و..
في طريقها نحو منصة حشيش خالتي مامية، تسير الفتاة الرومانسية صدفة قريبا جدا خلف زوجين مسنين. أنيقين. لعلهما أجنبيان. تتشبث المرأة المسنة الأنيقة بمنتهى الفخر بذراع زوجها المسن ذي الظهر المنحني، ترفع الزوجة جانب بصرها نحو وجهه، ثم وكأنها تأمره مثل أم حانية. دافعة صدرها بقوة هكذا..هامسة وهي تؤنبه بحب:
- عدّل قامتك..!
لم يتردد الزوج لحظة. ابتسم ثم عدل استقامة ظهره. وكأن شيئا مدهشا حدث. اختفت الحدبة التي كانت تعضّ على أعلى ظهره، وعلى الرغم من أن المسنّين الجميلين اختفيا في شارع لاباستي إلى الأبد، إلا أن صورتهما ظلت فكرة قوية للحب في ذاكرة الفتاة تلك.
- يا سيد دورميسون.. تقول المرأة التي كانت فتاة رومانسية، وهي تلوح بربطة النعناع المنعشة:
- نحن لا نحب فكرة الحب. بل الحب أن تكون عين قلبك على المحبوب دوما وأن تقول له:
- عدل قامتك.. أنا هنا. الحياة جميلة يا حبيبي، على الرغم من أنها حدباء أحيانا !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.