قبل أن أتحدث عن بعض العينات من المؤلفات الشبانية إن صح التعبير ، أود أن أشير أنه رغم التضييق الذي كان يُفرض على الجزائريين خلال فترة الاحتلال فإن فرحات عباس أصدر مؤلفه الشاب الجزائري عام 1931 وعمره آنذاك 32 عاما ، و بالنسبة للمؤلفات باللغة العربية فإنه يمكن أن نأخذ الأستاذ " محمد الصالح الصديق " أطال الله عمره كعينة متميزة، بل و ظاهرة لكاتب لم يتوقف عن التأليف منذ أن كان طالبا شابا في الزيتونة ، فالأستاذ محمد الصالح الذي يبلغ الآن 91 عاما لديه 119 كتابا ، وكان أول كتاب أصدره هو " أدباء التحصيل " من أربعة أجزاء طبعه و هو صاحب 19 عاما ،مما جعل زملاءه الطلبة ينظرون إليه كظاهرة متميزة منذ 1951، ثم تبعه بكتاب " مقاصد القرآن " بعد أقل من أربعة أعوام عن مؤلفه الأول ، وكان بذلك مثالا جادا لمؤلفين جزائريين بدؤوا كبارا في الكتابة رغم صغر سنهم ، ولعل الأديب "مرزاق بقطاش "هو واحد من هؤلاء الذين بدءوا الكتابة حتى في مرحلة الطفولة، وشرعوا في النشر في مرحلة الشباب، ويكاد بقطاش ينفرد عن العديد من الكُتَّاب بتنوع كتاباته بين القصة و الرواية والمقالة و المقالة السياسية والترجمة الأدبية و حتى بكتابة السيناريو التلفزيوني ، و كان بقطاش قد شرع في الكتابة من خلال مجلة التهذيب التي كانت تصدرها جمعية التهذيب التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1959 و عمره لا يتعدى آنذاك ال 14، و إذا كان بقطاش قد ظل يكتب في الصحف ومن بينها مجلة المجاهد الأسبوعي عقب استعادة الاستقلال ، فإن أول كتب أصدره هو رواية " طيورٌ في الظهيرة "عام 1976 و كان عمره حينها 31 عاما . و بدوره فإن الروائي الكبير واسيني الأعرج كتب رواية عام 1971 تحت عنوان " الطريق الطويل " ، وهذه لم تنشر بعد ، حيث كان عمره وقتذاك 17 عاما فقط ، وتتحدث تلك الرواية عن التحاق والده بصفوف الثورة إلى غاية استشهاده عام 1959 ، و في نفس الفترة نشر الدكتور واسيني رواية " الأجساد المحترقة " في كتيب مستقل صادر عن مجلة آمال التي كانت تعتني بالكتابات الشبانية، كما نشر قصصا أخرى في مجلة الثقافة التي كانت تًصدر عن وزارة الثقافة و في مجلات أخرى، سورية وعراقية، قبل أن يتجه للتأليف في مجال الرواية، حيث أصدر عام 1980 رواية " رجل غامر صوب البحر " في سوريا، و كان عمُره وقتها 25 عاما ، وبذلك يصبح الدكتور واسيني أحد الأسماء الكبيرة في عالم الرواية، خصوصا في العالم العربي ، و ينالَ العديد من الجوائز التي كان آخرها جائزة كتارا بالدوحة ، أما حميدة العياشي فقد نشر رواية " ذاكرة الجنون و الانتحار " عام 1984 وهو لم يتعدَّ ال 23 عاما ، ثم يصدر في عام 1991 كتابه السياسي الأول عن ظاهرة الإسلام السياسي تحت عنوان " الإسلاميون الجزائريون بين السلطة و الرصاص" ، و كان عمره وقتها 29 عاما ، وأما أمين الزاوي فقد بدأ هو الآخر الكتابة مبكرا في مرحلة الشباب، و نشر رواية " يجيء الموت امتدادا " و عمره 23 عاما. منذ أقل من عام أجرى معي الشاب رمضان نايلي ، وهو صحفي شاب كان ما يزال يشق طريقه في عالم الصحافة حوارا مطولا نشره في حلقتين بجريدة " العراق اليوم " ، و أذكر أنني نصحتُه في ثنايا الحديث معه على ألا يكتفي بنشر مقالاته و حواراته في الصحف ، بل عليه أن يعمل من حين لآخر كلما توفرت لديه المادة على طبعها في كتاب، و لذلك لم أفاجأ به عندما اتصل بي ذات أمسية ليقول لي بأنه طبع مقالاته و حواراته في كتاب بمناسبة معرض الجزائر الدولي الأخير، و فعلا فقد صدر مؤلفه تحت عنوان " حوارات في الفكر و الادب و الثقافة " ، وهو يتضمن سبعة عشر موضوعا ضمن كتاب يفوق 180 صفحة ، و قبله كان الزميل محمد يعقوبي مدير نشر يومية الحوار قد أصدر كتابه الأول حول الأزمة الكروية بين مصر و الجزائر عام 2010 تحت عنوان " ليلة رعب في القاهرة " ، .. و كان عمره وقتها 36 عاما قبل أن يضيف كتابه الثاني عام 2011 بعنوان" صحفي يحاكي مهنة المتاعب " ، ليختمها بكتاب عن الفيس المحل ، و هو عبارة عن سلسة اللقاءات و الأحاديث في قناة الشروق في مؤلفين من 892 صفحة بعنوان " الفيس من الداخل " من بويعلي إلى علي بن حاج .
والواقع أن كتابات هؤلاء الكتاب و الصحفيين التي بدأت في مرحلة مبكرة من أعمارهم تجعلني أشد على أيديهم ليكونوا قدوة للشبان الآخرين و ليكون إنتاجهم في عالم الكتب غزيرا كما هو الشأن مع العلامة الأستاذ محمد الصالح الصديق حفظه الله و أطال عمره ، لكنني في نفس الوقت أتوجه بعتاب أخوي إلى كثير من الأقلام المتميزة ألا تكتفي بالكتابات الصحفية البحتة، بل عليها بنشر ما كتبت في مؤلفات ، إنني أسوق هذا العتاب خصوصا للصديق " النذير بولقرون" الذي يمتلك حسا مميزا و قلما ذهبيا ، و لكثير من الأقلام الأخرى من بينها عبد المالك قرين و غيرهم من كتاَّب الجزائر المتميزين الذين عليهم ألا يحرمونا من كتاباتهم الممتعة في شكل مؤلفات تبقى حية لنا و لهم .