خلال السنوات العشر الأخيرة، وقف الجزائريون شهودا على فترات حداد، ودّعوا خلالها شخصيات بارزة طبعت بيومياتها تاريخ الجزائر المعاصر. ومن حيث لا يشعرون، وجد الأحياء منا أنفسهم مجبرين على الانصياع لطقوس، القليل من يعرف معناها أو رمزيتها. يقرّر الحداد الوطني رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، تكريما لروح المتوفى أو المتوفين المعروفين لدى الرأي العام في البلاد، أو شخصيات قامت بأعمال بطولية، أو كانوا ضحايا لجرائم وحشية أو مجازر أو كوارث طبيعية، خلفت عددا كبيرا من القتلى. وتتمثل المراسم في تشغيل تلاوة القرآن في التلفزيون والإذاعة طيلة مدته، وقراءة سورة الفاتحة والوقوف دقائق صمت، والتي ترافقها في العادة مراسم جنازة رسمية يتقدّمها كبار المسؤولين في الدولة، لاسيما إذا كان المتوفى شخصية بطلة أو شخصية مارست أدوارا أو مهام سياسية أو معنوية واجتماعية هامة. وكانت البداية مع وفاة الرئيس الأسبق هواري بومدين ربعده محمد بوضياف ثم أحمد بن بلة، العام الماضي، حيث أعلن الرئيس بوتفليقة الحداد الوطني لثمانية أيام، نكست خلالها الأعلام إلى منتصف الصاري فوق المباني الحكومية والمؤسسات الرسمية، وعلقت كافة الفعاليات والاحتفاليات الوطنية، بدءا من البطولات الرياضية انتهاء بالمهرجانات والملتقيات الثقافية والفنية. وقبل أن يتكرّر المشهد مع الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة العقيد علي كافي، عاش الجزائريون الحداد على الشاذلي بن جديد. ألوان الحداد ومدته وللحداد ألوانه، حيث أن اللون الأسود هو السائد في العالم الغربي، ونجده ممثلا باللون الأبيض في الهند وكوريا الجنوبية، والأبيض والأسود في اليابان. أما بالنسبة لمدّة الحداد، فهي تختلف ووزن الفقيد، فهو محدّد بأربعين يوما بالنسبة للرؤساء المتوفين وهم يباشرون مهامهم، وتحدّد بثمانية أيام بالنسبة للقادة والزعماء المتقاعدين من الخدمة، وبثلاثة أيام بالنسبة للزعماء الأجانب. وفي تاريخ الجزائر، أعلن الحداد العام والرسمي لمدة أربعين يوما لما توفي الرئيسين هواري بومدين في 1978 ومحمد بوضياف، وهي الفترة التي يتولى رئيس البرلمان الرئاسة مؤقتا إلى غاية تنظيم انتخابات. ومن طقوس الحداد توشيح صور الفقيد بالشريط الأسود، مع ارتداء كبار المسؤولين في الدولة البذلات وربطات العنق ذات اللون الأسود أيضا، حيث لا يقتصر ذلك على المسؤولين المدنيين فقط، بل ينسحب على منتسبي المؤسسات الأمنية والعسكرية المكلفين بتشييع الجنازة، ومنهم أفراد فرقة الحرس الجمهوري الذين يرتدون، على غير العادة، السترة السوداء بدل الحمراء. ويمكن للحكومة إقرار الحداد لمدّة أقصر لا تتجاوز ثلاثة أيام، في حالات وفاة شخصيات أجنبية لعلاقاتها الوطيدة أو المتميزة مع الدولة، مثلما فعل الرئيس السابق ليامين زروال عندما أقرّ الحداد لثلاثة أيام في وفاة العاهل الأردني الملك حسين في فيفري .1999 وأبرق الرئيس زروال، وقتها، لعائلة الملك حسين مواسيا: ''إن التاريخ المعاصر لأمتنا العربية سيسجل الدور الرائد الذي لعبه، بعبقريته المشهودة، في الدفاع عن الحقوق المشروعة لأمتنا العربية''. كما أعلنت الجزائر سنة 2004 الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، تعبيرا عن حزنها ومواساتها بوفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، مع تنكيس الأعلام وإلغاء جميع المظاهر الاحتفالية في كافة أنحاء البلاد، كما وقف مجلس الوزراء دقيقة صمت حدادا وترحما على عرفات. وتكرّر نفس القرار في وفاة أمير الكويت، الشيخ جابر الأحمد الصباح، سنة .2006 يشار إلى أن هناك دولا لا تنكس أعلامها في حالات الحداد في البلدان التي لها فيها بعثات دبلوماسية أو مؤسسات، ويتعلق الأمر بالسعودية لوجود عبارة ''لا إله إلا الله'' عليه، والعراق لوجود عبارة ''الله أكبر'' عليه، وقبرص لوجود خريطة الدولة عليه.