في قلب قصر بوسمغون التاريخي بولاية البيض، ينتصب المسجد العتيق شامخًا كواحد من أبرز المعالم الدينية والحضارية التي صمدت عبر القرون، محتفظًا بأصالته المعمارية وروحه الإيمانية التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء الوطن وخارجه. ويُعد هذا المسجد جزءًا لا يتجزأ من النسيج التاريخي للقصر المعروف ب"القصر الأسعد"، أحد أقدم القصور في الجنوب الغربي للجزائر، والذي يعود تأسيسه إلى نحو 17 قرنًا. وقد اكتسب هذا الفضاء بعدًا روحانيًا عميقًا بفضل ارتباطه بسيدي أحمد التيجاني، حيث تحتضن جنبات القصر خلوته التي يقصدها مريدو الطريقة التيجانية من مختلف أنحاء العالم. ويعتبر المسجد العتيق من أقدم المساجد في المنطقة، إذ يعود تأسيسه إلى بدايات الفتح الإسلامي، ويحتل موقعًا مركزيًا داخل القصر، تحيط به المساكن التقليدية، بينما تقع المدرسة القرآنية بمحاذاته، في صورة تعكس تلاحم الدين والحياة اليومية في هذا الفضاء التاريخي. وقد شُيّد المسجد بمواد طبيعية محلية، صُممت لمقاومة قساوة المناخ، حيث يغطي سقفه نبات العرعار وعيدان الدفلى، فيما تتميز قاعة الصلاة بشكلها المستطيل المدعّم ب31 دعامة، ما يمنحه طابعًا معماريًا فريدًا يجمع بين البساطة والمتانة. أما محرابه، فيتخذ شكلًا مجوفًا تعلوه نصف قبة ملساء، وعلى يساره ينتصب منبر حجري بسيط، بينما يتميز صحن المسجد باتساعه وشكله غير المنتظم، ليشكل فضاءً مفتوحًا يجمع بين العبادة والتلاقي الاجتماعي. وتُعد مئذنته، التي يصل ارتفاعها إلى 21 مترًا، من أقدم المآذن في المنطقة، إذ يتجاوز عمرها ثمانية قرون، وتتميز بقاعدتها المربعة وتصميمها الهندسي المتقن، ما يجعلها تحفة معمارية قائمة بذاتها. ورغم ما خضع له المسجد من ترميمات جزئية خلال القرن الماضي، فقد حافظ على ملامحه الأصلية، ليظل شاهدًا حيًا على عبقرية البناء التقليدي وروح المكان. ولم يكن هذا الصرح مجرد فضاء للعبادة فحسب، بل شكل عبر التاريخ مركزًا للحياة الاجتماعية والعلمية، حيث احتضن حلقات العلم ومجالس الشورى، وساهم في فض النزاعات وتسيير شؤون المجتمع، إلى جانب دوره في تعزيز قيم التضامن من خلال إدارة أموال الزكاة. ولا يزال المسجد العتيق إلى اليوم قبلة للمصلين والزوار، خاصة خلال شهر رمضان، حيث تتجدد فيه أجواء الإيمان والسكينة، ليبقى معلمًا خالدًا يجسد عمق التاريخ وروح الأصالة، ومرآة تعكس الذاكرة الجماعية لهذه الجوهرة التراثية الفريدة.