شكّلت مراسم تشييع رئيس الجمهورية الأسبق اليامين زروال، التي احتضنتها ولاية باتنة، لحظة استثنائية في تاريخ الجزائر الحديث، حيث امتزجت مشاعر الحزن بالفخر، في مشهد جسّد وحدة وطنية نادرة بين مؤسسات الدولة ومختلف فئات الشعب. وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية حمزة حسام أن هذه الجنازة لم تكن مجرد وداع لرجل، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن مكانته الراسخة في وجدان الجزائريين، مشيرًا إلى أن الإجماع الشعبي والرسمي الذي رافق هذه المناسبة يعكس حجم التقدير الذي حظي به الراحل خلال حياته وبعد رحيله. وأوضح المتحدث، خلال تدخله في برنامج "ضيف الصباح"، أن الجزائر عاشت لحظة "وحدة عاطفية" نادرة، تجلّت في تلاحم لافت بين الدولة والمجتمع، حيث حضر الجميع بروح واحدة، مستحضرين مسيرة رجل ارتبط اسمه بمرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، هي مرحلة التسعينيات التي عُرفت بتحدياتها الأمنية والسياسية العميقة. ولم يكن هذا الإجماع وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من المسؤولية والشجاعة، إذ لعب الرئيس الراحل دورًا محوريًا في الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها في فترة كادت فيها البلاد أن تنزلق نحو المجهول. كما ساهم، بحسب ذات المتحدث، في إعادة الاستقرار تدريجيًا، واضعًا أسس مرحلة جديدة عنوانها استرجاع الثقة وبناء الدولة. ومن أبرز ما ميّز شخصية الراحل، تلك الخصوصية النادرة التي جعلته يحظى بالاحترام سواء خلال توليه الحكم أو بعد مغادرته له بإرادته، في سلوك سياسي يعكس نُبل المسؤولية وتغليب مصلحة الوطن على أي اعتبار آخر، وهو ما جعله نموذجًا يُحتذى به في الساحة السياسية الإفريقية والعربية. كما أشار الأستاذ حسام إلى أن التنظيم المحكم لمراسم الجنازة عكس جاهزية مؤسسات الدولة واحترافيتها، في صورة عززت الإحساس بالتماسك الوطني، وأكدت أن مثل هذه اللحظات تُبرز حقيقة راسخة: أن الرجال يرحلون، لكن أثرهم يبقى حيًا في ذاكرة الشعوب. وفي ختام تصريحه، شدد المتحدث على أن تجربة الراحل، خاصة في مجال المقاربة الأمنية ومساعي المصالحة الوطنية، أسهمت في ترسيخ دعائم الاستقرار، مؤكدًا أن الوحدة الوطنية تظل الحصن المنيع الذي يضمن للجزائر الاستمرار قوية ومتماسكة في مواجهة مختلف التحديات. وهكذا، لم تكن جنازة اليامين زروال مجرد حدث عابر، بل محطة جامعة أعادت التذكير بقيمة الوفاء، وبأن الجزائر، رغم كل التحديات، تظل قادرة على التوحد حول رموزها الوطنية ومسارها المشترك.