في قلب بوابة الشرق الجزائري، حيث تتداخل رائحة البخور بعبق الحجارة القديمة، يقف مسجد العتيق بتبسة شامخا، كحارسٍ لا ينام. ليس مجرد جدرانٍ ومحراب، بل هو الرئة التي تنفست بها المدينة هويتها العربية الإسلامية في أحلك الظروف الاستعمارية، فبمجرد اقترابك من السور البيزنطي، تلوح لك مئذنة المسجد العتيق بطرازها المربع الرصين، الذي يستحضر في الأذهان عظمة مآذن القيروان وتاريخ الفتوحات الإسلامية في المغرب العربي. فما إن ترى المسجد العتيق، الكائن بقلب مدينة تبسة، إلا وتشعر بأن بناءه يروي قصة الأصالة، فقد اعتمد المعماريون الأوائل في بنائه، على الحجر الكلسي المحلي، مما جعل المسجد يبدو كجزء طبيعي من تضاريس الأرض، فهو يتميز بأقواس وأعمدة رخامية، تمنح المصلي شعوراً بالرهبة والسكينة في آن واحد. كما صمم المسجد بطريقة تسمح بدخول الضوء الطبيعي، مما يخلق ظلالاً فنية على السجاد العتيق، تروي حكاية قرون من الخشوع. ولم يقتصر دور المسجد العتيق يوما، على إقامة الصلوات فقط، بل كان بمثابة الخندق الثقافي الأول. ففي الوقت الذي حاول الاستعمار طمس معالم الشخصية الجزائرية، كانت حلقاته العلمية يتخرج منها أجيال متمسكة بلغة الضاد والقرآن الكريم، وخلال الثورة التحريرية، تحول المسجد إلى مركز سري للتنسيق وجمع التبرعات، حيث كان يلتقي المجاهدون تحت غطاء حلقات الذكر، مما يجعله رمزا للمقاومة الشعبية في الولاية الأولى التاريخية. ورغم زحف البناء الحديث، وظهور مساجد كبرى بتصاميم عصرية، تشعر بأن المسجد العتيق بمدينة تبسة، كأنه تحد للعصر.. وأنه صامد رغم الزمن، فهو القبلة المفضلة لكبار السن والشباب الباحثين عن البركة والتواصل مع الأجداد. فتشعر وأنت تصلي بين جدرانه، براحة نفسية وطمأنينة كبيرة. ويبقى المسجد العتيق بتبسة، أكثر من معلم سياحي، فيعد الهوية المتجسدة في حجر. هو دعوة مفتوحة لكل زائر، ليتأمل كيف يمكن للمكان أن يحفظ روح أمة، وكيف للمآذن أن تظل عالية مهما اشتدت العواصف. وقد خضع المسجد لعدة عمليات ترميم دقيقة، أشرفت عليها كل من مديرية الشؤون الدينية والأوقاف والثقافة، للحفاظ على طابعه الأثري دون المساس بهويته الأصلية. ويعود بناؤه إلى منتصف القرن الثامن عشر ميلادي، حيث قرر العثمانيون تأسيس مسجد غير بعيد عن الكنيسة المسيحية، بل مقابل لها، حتى يجد المسلم مكانا إيمانيا يتوجه إليه لأداء عباداته وطاعاته.