أنعشت الأمطار الأخيرة التي تساقطت على ولاية البليدة، الغطاء النباتي، خاصة على مرتفعات جبال الشريعة. حيث ساهمت في تحقيق وفرة معتبرة في عدد من النباتات البرية التي تُستعمل في الطبخ، ما جعل المائدة الرمضانية البليدية تزخر هذا الموسم، بأنواع متنوعة من الأطباق التقليدية المحضّرة من الأعشاب، لا سيما نبات "السلق"، و "الفليو"، و"البوبرايس"، و"الحلحال" إضافة إلى "فول براطل". يقف المتجول في الأسواق الشعبية لمدينة البليدة خاصة عبر أزقة سوق العرب العريق، على تواجد كبير لعدد من الفلاحين القادمين من المناطق الجبلية وهم يعرضون مختلف ما جادت به جبال الشريعة من أعشاب خضراء تُستعمل في تحضير شتى الأطباق التقليدية التي اشتهرت بها الولاية. ويظهر جليا الحضور القوي لأصناف عديدة، من بينها "السلق" و"البوبرايس" و "القرنينة" و«فول براطل" وهو فول صغير الحجم إلى جانب مختلف أنواع الحشائش التي تُزيَّن بها أطباق الشوربة، مثل "المعدنوس"، وحشيش الشوربة أو ما يُعرف ب"القصبر"، و"الزعيترة" والنعناع. وحسب بعض الفلاحين، فإن الطلب كبير من طرف ربات البيوت على مختلف أنواع النباتات خاصة السلق الذي يُستعمل في تحضير أطباق تقليدية عديدة، من بينها بوراك السلق بالبطاطا، وكذا البوبرايس الذي يُحضَّر بتفوير نبتة البوبرايس، ثم تجهيز الدَّرسة المكوّنة من الثوم والزيت والفلفل الأحمر والفلفل الحار والملح. وبعد قلي المكونات يُضاف كوب من الماء، ويُترك الخليط « يتجمّر » قبل إضافة البيض إليه، ليُقدَّم في الأخير على مائدة الإفطار الرمضانية. ويُعد من أشهر وأقدم الأطباق التقليدية التي تشتهر بها الولاية. وإلى جانب طبق البوبرايس يكثر الطلب أيضًا، حسب ما أكد بعض الباعة، على نبات السلق، الذي توفر هذه السنة بكثرة نتيجة الأمطار الغزيرة. وتحرص ربات البيوت على اقتناء حُزم منه لتحضير أطباق تقليدية، مثل البوراك المحضَّر بمزيج من السلق والبطاطا، والمنكَّه ببعض التوابل، أو عن طريق تحضير الدَّرسة، وقلي السلق مع الثوم وخلطه بالبيض. وهي من الأكلات المحبوبة خاصة من كبار السن بالنظر إلى غنى نبات السلق بالفيتامينات والعناصر الغذائية الهامة. ومن بين الأطباق الشعبية الأخرى التي تُحضَّر بالأعشاب وتُعد من أشهر الأكلات المحلية، طبق بطاطا فليو، الذي يُحضَّر بتقطيع البطاطا وإضافة درسة الثوم والفلفل الحار والزيت، ثم يُضاف الماء. وعند نضج البطاطا تُضاف أوراق الفليو. وبعد طهوها يُكسر عدد من حبات البيض، ليصبح الطبق جاهزًا للتقديم. كما تحضَّر طبيخة الكرنب، التي تشمل خليطًا من الحبوب اليابسة، مثل الفول والفاصولياء والحمص، إلى جانب اللفت، والبطاطا، والخرشف والأرز، دون أن ننسى طبق فول براطل الذي يُحضَّر على شكل شطيطحة. ويُعد بقشور الفول الصغير جدًا المعروف محليًا باسم «فول براطل»، والذي يجلبه الفلاحون من جبال الأطلس البليدي. وفي هذا السياق، أوضح المختص في التراث البليدي يوسف أوراغي، أن الإقبال على تزيين المائدة الرمضانية بالأطباق التقليدية المعَدّة من الأعشاب، يعود إلى تزامن شهر رمضان هذه السنة مع موسم بارد، ما جعل الأعشاب والنباتات المستعملة في هذه الأكلات، متوفرة بكثرة في الأسواق. وأضاف أن المطبخ البليدي يجتمع في عنصر واحد يميّزه عن غيره من مطابخ المناطق الأخرى، وهو غناه بالأعشاب العطرية والطبية بالنظر إلى تأثير المنطقة الجغرافي على نوعية الغذاء للساكنة، حيث تمد جبال الأطلس البليدي السكان بأنواع متعددة من الأعشاب والنباتات، تم إدخالها منذ القدم في الأطباق الغذائية؛ للاستفادة من فوائدها الصحية. وأشار المتحدث إلى أن نبات الفليو المعروف بنموه في موسم الشتاء، يعكس ارتباط سكان البليدة بما تنبته الأرض من خيرات، حيث يُحضَّر هذا الطبق الصحي بالبيض والثوم والفول والبطاطا المقطّعة بشكل دائري. وخلص إلى أن مختلف الأطباق المحضّرة بالأعشاب مثل السلق والبوبرايس والفول، هي أكلات تقليدية زينت موائد البلديين هذه السنة؛ بحكم تزامن شهر رمضان مع وفرتها في الأسواق الشعبية.