أكد الناقد محمد الأمين بحري، في حوار خص به "المساء"، أن وفرة الإنتاج الرمضاني 2026 ظاهرة إيجابية، لكنها تخفي ضعف البناء الدرامي، بسبب تدخل المنتجين، تكرار القوالب، واعتماد المؤثرين للتسويق، مقابل غياب النقد الفني الحقيقي، ما يجعل إعادة الاعتبار للسيناريو والمواهب أمرا ضروريا. ❊ عرف الموسم الرمضاني 2026 في الجزائر، عرض عدد معتبر من الإنتاجات التلفزيونية، بين دراما وسيتكوم. هل يعكس ذلك حركية صحية في الصناعة التلفزيونية، أم أنه إنتاج كثيف على حساب الجودة؟ ❊ من الوجهة الإنتاجية للأعمال الدرامية، والتلفزيونية عامة، تُعتبر مناسبة رمضان سوقا فعلية للمعروضات التلفزيونية، المختلفة، تدخل تلك المنجزات الدرامية في منافسة بين المنتجين وبين المؤسسات الإعلامية، لتقديم أفضل ما لديها للمشاهد، وكلما زادت كمية المنتوج، أتاح ذلك التراكم الذي يسمح بإحداث المنافسة، على استمالة ذوق المشاهد، وزيادة عدد المتابعين، بما أن هذا المعيار في عصرنا الرقمي، صار رأس مال فرجوي، يمنح للمؤسسات والقنوات المنتجة ترتيبا في سلم المشاهة، يصعد وينزل يوميا، حسب مدى الاستقطاب الذي تحققه تلك الوجبات الفنية المقدمة، سواء في الدراما أو الكوميديا، ما يسمح بالدفع والتسابق نحو تقديم الجديد والمختلف والنوعي. سواء في المحتوى والتصور، أو في الجانب التقني من تصميم ونوعية عرض الصورة والمؤثرات. لذا، أعتقد بأن كل تراكم في المنجزات الفنية بطبيعته، يمثل ظاهرة صحية تتيح للنقاد والمختصين وحتى المشاهدين، توسيع قائمة الخيارات والانتقاءات، بحثا وتحريا عن الجودة. فكلما زادت الأعمال وتنوعت أشكالا وأساليب فنية، وتوسعت على مدى جغرافيا البلد وثقافاته، أمكن للمشاهد اكتشاف أصوات وأسماء وظواهر فنية جديدة، من شأنها أن ترسم ملامح المشهد الفني وترشيحاته في راهن وقادم المواسم والأعمال الفنية. المشكلة ليست أزمة كتابة بل سوء اختيار وتدخّل المنتجين ❊ تعرضت العديد من الأعمال الرمضانية هذا العام، لانتقادات، بسبب ضعف السيناريو والحبكة الدرامية. برأيك، هل نحن فعلا أمام أزمة كتابة درامية في الجزائر؟ وأين تكمن جذور هذه الأزمة؟ ❊ لا أعتقد بأننا أمام أزمة كتابة درامية، بل بالأحرى نحن أمام وهم بالأزمة، أو بصراحة أكبر، أمام أزمة مفتعلة، يمكن تقسيمها إلى فئتين، فهي إما سوء اختيار للسيناريو الأضعف، فيؤثر ذلك على مستوى كل ما يأتي بعده من مراحل وعناصر وفرق العمل. أو أن السيناريو جيد، وتم تخريبه بفعل تدخلات ونزوات أصحاب السلطات التنفيذية الأكثر هيمنة على السيناريست والمخرج، الذين لا حول ولا قوة لهما أمام من يدفع أجرتهما. وهو المنتج وفريق عادة. وقد انجرت عن هذه التدخلات المخلة بالفن من طرف الدخلاء، بأموالهم على الميدان في عدة انحرافات، تسببت في بروز عدة ظواهر تخريبية للدراما شكلا ومحتوى، يمكن طرحها في ظهور ما يمكن أن نسميه بظاهرة السيناريست النادل، نظرا لظهور نوع من كتاب السيناريو المكرسين أو الموظفين لدى دوائر إنتاجية، يكتبون حسب طلبات أو نزوات لمنتجين محدودي المستوى، تفكيرا ونوعية طرح. وكفرد من العائلات الجزائرية، وقفت فعلا عند جهل هؤلاء بالذوق العام، ما جعلنا نشاهد أعمالا أقل ما يمكن أن يقال عنها، إنها كُتبت ومُثلت بنزوات أو تلبية لنزوات مراهقاتية، من حيث المحتوى الذي لا يكاد يخرج عن زاوية خيانة العشاق من المراهقين والأزواج المنحرفين، بل وتتضمن (بقصد أو جهل) الإساءة حتى إلى فئات اجتماعية، ووظائف علمية خدماتية نبيلة، قدمتها للجمهور بصور مشوهة، لا غاية ولا مبرر فني من ورائها، سوى ضيق أفق من خانته الرؤية الفنية، فقدم التشويه بصورة مشوهة، فضلا عن انعدام الفكر الكاستي، الذي ظهر جليا في توظيف الأقارب وأفراد أسر المنتجين، وشلتهم من المؤثرين، بل وحتى من أصحاب السمعات السيئة والفضائح في الوسط الفني، ومواقع التواصل الاجتماعي، فماذا يمكن أن تنتج هذه النزوات التي أدخلها الدخلاء على الوسط الفني، وأحاطوا أنفسهم بأهل الميدان، الذين صاروا موظفين لدى أصحاب النزوات المخلة بالفن الراقي والدخيلة عليه؟ وماذا يمكن لهذه الشلة الدخيلة بأموالها على الميدان الفني، وشاشة الأسرة الجزائرية، من سيناريوهات للمشاهد، عدا ما يشبهها من مستوى، ونزوات مراهقاتية، تتفرق عند بثها الأسر، وتهجر التلفاز، بدل اجتماعها عليه؟ وليس غريبا عن أصحاب هذه المنتجات الدرامية الصفراء، الذين يوظفون ما ينسجم مع المستوى الذي يعكس نزواتهم الشخصية، التي يحاولون فرضها على الذوق العام، أن يلجؤوا إلى شراء سلاسل رقمية، لزيادة وهمية لنسب المشاهدة، ثم يتباهون بها في حصص "التالك شو"، التي باتت حاضنتهم البديلة عن الأسرة والمجتمع. وهو ما انتبهت إليه سلطة ضبط السمعي البصري، ووبختهم عليه دون أن يستحوا من فعل ذلك. وهو دليل آخر على غربة هؤلاء ومنتجاتهم عن أخلاقيات الفن وافتقارهم لأدواته، ولم تأت أعمالهم الدرامية إلا لتعكس أمام المشاهد، هذا الانحراف السلوكي والنفق المخزي، الذي يحاول هؤلاء جر الدراما الجزائرية إليه. وفي ظروف كهذه، يسد الباب أمام قوة الفكرة وابتكار أنماط وثيمات مختلفة، كما يكرس احتكارا يغلق فيه الباب أمام كُتاب واعدين، يملؤون الساحة، تأليفا واقتباسا. ولا يتيح المجال إلا للسيناريوهات المكررة عن أعمال سابقة لنفس السيناريست، بنفس العقد، ونفس الحلول ونفس التصور والخط واللون الدرامي. فضلا عن الأعمال المنحولة من أعمال عالمية معروفة وشهيرة. وهي أسهل الوجبات وأسرعها، تعفي هؤلاء من فتح المجال، لاستقبال السيناريوهات من لدن الطاقات التأليفية الرهيبة والشابة، التي يحفل بها الميدان. بل وتفيض عنه، نوعية وابتكارا. ومستوى فكري وفني، وقد بلغني الكثير منها لما أغلقت عنهم أبواب المنتجين لمكتفين بشللياتهم المذكورة. تكرار بسبب نفس الأساليب لا بنفس المواضيع ❊ لاحظ المتابعون، تطورا واضحا في التقنيات البصرية والإخراجية في بعض الأعمال. هل تعتقد أن هناك اختلالا حاليا بين تطور الجانب التقني وضعف البناء الدرامي للنص؟ ❊ طبعا هناك منحى تصاعدي ملحوظ، من موسم إلى آخر، على المستوى التقني المقدم، ونوعية الصورة والأجواء والمؤثرات، وحتى هندسة الديكور وتوظيف متزايد لتقنيات الديجيتال، ما ينم عن عمل واستثمار هائل في جلب التجهيز والطاقات البشرية، سواء المحلية أو المجلوبة في تخصصات فنية وتقنية، تقف في خلفية الشاشة، لتقدما بمستوى محترف ومحترم للمشاهد، لا يقل عما يشاهده في أعمال وعلى شاشات عربية وعالمية رائدة. لكن هذه النوعية والجهد في الجانب التقني، لا يمكنه التأثير أو التغطية على هشاشة وضعف المحتوى الفني والفكري للعمل، لأن الصورة تحكي مشهدا، وإن كانت الحكاية مختلة أو ضعيفة أو مكشوفة أو مبتذلة، فإن تصويرها يزيد من كشف عيوب السيناريو، لأن الجهاز الفني لا يمكنه فعل شيء أمام سيناريو ضعيف، كما لو أنك تملك نقودا وتجلب التجهيزات والهياكل الرياضية الأكثر تطورا وتقدمها لفريق غير موهوب، ومدرب بلا كفاءة. فهل تغطي التجهيزات التقنية المتطورة على ضعف المؤهلات الفنية الداخلية للطاقم البشري للفريق؟ ❊ شهدت الدراما الرمضانية الجزائرية لهذا الموسم، تكرارا في المواضيع، الموسم الرمضاني، خاصة تلك المرتبطة بعالم الجريمة والمافيا. هل ترى أن هذا التكرار يعكس فقر الخيال الدرامي، أم أنه محاولة لمجاراة ذوق الجمهور؟ ❊ أعتقد أن موضوع تكرار الثيمات والحبكات والتعقيد والمسارات النمطية بنفس القوالب، من موسم إلى آخر، ناجم عن سببين جوهريين، أولهما الاعتماد على نفس القلم السيناريستي، الذي لا يجدد أدواته ومواضيعه، فيأتي بنفس التصور، وثانيا، تدخل المنتج غير المؤهل في كتابة نص يشبهه ويشبه حياته ومواقفه، أكثر مما يلبي قضية أو معنى اجتماعي عام للجمهور، فننتهي داخل قالب شخصي، لا داخل تصور ورؤية للعالم، تعبر بالخاص عن تصور عام أشمل. أما مسألة ماهية الثيمة المكررة في حد ذاتها، فلا أعتقد أن مسألة الجريمة المنظمة والمافيا والمخدرات، موضوع قد بلغ غاية استهلاكيته، لأنه أولا، ما يزال يصنع نجاحات كبرى الأعمال التلفزيونية والسينمائية في العالم، ومن جهة ثانية، كونه موضوعا ولاّدا بطبعه، ومتعدد المداخل والتشعبات، وله ارتباطات بمجالات عدة، يمكن أن تشكل وتبني حبكاته الدرامية، من الجوانب النفسية والأسطورية والخيال العلمي والسياسة والحروب والتاريخ .... الخ. بل أرى أن المواضيع التي صارت تفتتح وتغلق وتبنى عليها الحبكات والعقدات المستنسخة، كل سنة، هي بناء التعقيد على إبهام وغموض وتشتت العلاقات الأسرية في بداية العمل، ثم فك هذا التعقيد بكشف العلاقات الأسرية في النهاية، فنكتشف بأن هذا أخ هذه وتلك ابنة الآخر.. الخ. إن هذا النوع من التعقيد المبتذل، هو ما تجاوزه الزمن بقرون، لكن حين يصاب الإنتاج بالشللية العقيمة، ويصاب السيناريو بالتوحد والركود في الرؤية، وينغمس الرفيق في تلبية رغبات شخص وحيد، ليعبروا عن شخصه كموظفين، فإننا نصل إلى هذه الضحالة، التي أضحت مدعاة للسخرية والتهكم من طرف الجمهور، أكثر من كونها فنا وفرجة ترقى بذوقه المتطلب والمتطلع دوما للنوعي والمتجدد. التقنية المتطوّرة لا تغطي ضعف المحتوى ❊ هذا الموسم، شهد كذلك مشاركة عدد من فناني المسرح، الذين لم تتح لهم سابقا، فرصة البروز في التلفزيون، في مقابل اعتماد بعض الأعمال على مؤثرين من مواقع التواصل الاجتماعي. كيف تقيم هذه الظاهرة من زاوية فنية؟ ❊ طبعا، التمثيل في أصله ومنبته الأول، فن مسرحي منذ نشأة الدراما المسرحية في اليونان، قبل أربعة قرون قبل الميلاد.. وسيبقى كذلك.. وحتى بعد ظهور السمعي البصري والكاميرا وفنون السينما والتلفزيون، ظل المسرح هو الخزان والمنبع الأم لكل الفرق التمثيلية، التي تمر أمام الكاميرا.. الفنان المسرحي دوما يملك تلك الجاهزية الغالية، بفعل التدريبات التي تدوم أياما وشهورا، من أجل مشهد واحد يظهر فيه الممثل.. وهذه التدريبات، مع تعدد الأعمال المسرحية عبر السنوات، تشكل وتمنح الفنان المسرحي جاهزية دائمة، إن على المستوى الجسدي أو النفسي أو التفاعلي، مع باقي عناصر العرض.. بالتالي يعد وقوفه أمام الكاميرا من تحصيل الحاصل.. بل هو وقوف يمكنه من إدراك الفوارق بسهولة، ومن دون كثرة توجيهات على الفوارق بين تمثيل الخشبة وتمثيل الاستوديو.. باختصار وفي جميع فنون السمعي البصري، والتمثيل أمام الكاميرا لا يوجد من أهل أكثر جاهزية وأقدر على حمل وتجسيد وأداء الدور من الممثل المسرحي، وأقولها بتعميم وموثوقية يشهد عليها تاريخ الفن التمثيلي عالميا ومحليا .. ولنا في رواد التمثيل التلفزيوني ممن رحلوا، وممن ما يزالون على قيد الحياة، خير مثال.. مع حالات استثنائية جدا، لوجوه تلفزيونية لم تمر على المسرح. لكنها تبقى حالات استثنائية، ومواهب تظهر مرة أو مرتين في القرن، مثل المرحومة بيونة.. وهي موهبة وعبقرية نادرة التكرار، لذا يصعب القياس عليها. بينما الوجوه الوافدة من مواقع التواصل الاجتماعي من المؤثرين.. الذين تم الزج بهم في الأعمال التلفزيونية.. فالكل يعلم -بما فيهم من جلبوهم- بأن الغاية من جلبهم ليست فنية، بل تسويقية وترويجية واستقطاب المتابعين.. وجلب السبونسور..الخ. وللأسف، الآن صارت استوديوهات "التالك شو" تكرس معايير دخيلة على الفن، آتية من ميدان هؤلاء المؤثرين الدخلاء، بلا أي قدرات تمثيلية.. مثل الاعتماد على عدد المشاهدات الذي كرسوه وفرضوه كمعيار لنجاح أو فشل العمل. وأرادوا بذلك أن يعوضوا به المعايير الفنية والجمالية والنقدية لتقييم الأعمال.. ونترك أخيرا، جملة من الأسئلة معلقة للقراء والمشاهدين وأهل الفن من مختصين، ليجيبوا عنها بأنفسهم، منطقيا.. هل يمكن أن يعوض المؤثر بصفر تكوين، ممثلا يمضي شهورا للتدريب على أدق وأصغر اللقطات المشهدية؟ وكبر وتربى على هذا النسق التدريبي في كل الحالات التمثيلية، التي صنعت جاهزيته ونوعت قدراته وأدواره وشخصياته التي مر بها؟ وهل يمكن اعتماد عدد المشاهدات التي تصنع وتباع افتراضيا، لتحل محل النقد الفني التحليلي؟ وهل عرفنا الآن لماذا امتلأت المسلسلات بالمؤثرين، ليعوضوا الممثلين والمكونين؟ وهل علمنا لماذا لم نر ولا ناقدا واحدا على تلك الاستوديوهات التحليلية. بينما تمتلئ بالمؤثرين لزيادة المشاهدات، وفرض التغييب الصريح لصوت النقد الفني، خشية انهيار كل ذلك البهرج في لحظة تحليلية دقيقة، قد تنسف كل معايير نسبة المشاهدات وعقليات الكلاش، وكثير من الخزعبلات الاصطلاحية الوافدة من العوالم الافتراضية، التي عوضوا بها النقد الفني، ليتم حشوها في الشاشات وفرضها على المشاهدين؟ وهل علمنا أخيرا، كيف يُصنع ويٌفرض الضجيج الإعلامي، بديلا عن السجال والنقاش والتحليل والتشريح النقدي الفني في قنواتنا التلفزيونية؟. غياب النقد مقابل هيمنة المشاهدات والبوز ❊ ما هي الأعمال التي شدت انتباهك في هذا الموسم الرمضاني؟ ❊ في الكوميديا، هناك متغيران موضوعيان وأسلوبيان شدا انتباهي، من الفكرة إلى الطرح إلى الإخراج والأداء، وهما "ديقوردي" لأمين بومدين، الذي أبدع في الرؤية الإخراجية والنضج الأدائي لفريقه، وسلسلة "الرباعة" لحاج علي مناد، الذي يحاول أن يقدم وجبات كوميدية تختلف أسلوبيا عن سابقاتها، فمغامرة "الرباعة" تختلف عن السخرية السوداء للبطحة، وكلاهما تختلف أسلوبيا عن المحاكاة الساخرة والناقد للمجتمع والسياسات والأفراد في "دقيوس ومقيوس"، حيث تبرز قيمة البحث والاجتهاد والدراسة المعمقة في تجديد الفكرة والمادة والأسلوب والكتابة. والإحاطة بكل جوانب التأثير والتلقي والعناية بقيمة الكلمة واللقطة والمشهد، حيث يبرز العمل الجماعي في كل حركة. كما تبرز قيمة أفق التلقي، التي يبدو أنها درست في هذين العملين، بتأثير مباشر من دراسة معمقة لنقاط قوة، ونقاط ضعف سابق أعمال الفريقين في المواسم الفارطة. ما يجعل القادم دائما مستفيدا ونسخة محسنة عن السابق، دون أن يكرره أو يسقط في فخ النمطية والقالب الجاهز. وهذا الكلام أجده ينطبق أيضا في الدراما، التي شهدت هذا العام، انتفاضة أسامة قبي في مسلسل "كية"، حيث برز الأداء النوعي لطائفة من الأسماء التمثيلية، لعل أبرزهم محمد فرميهدي، ومراد أوجيت وجمال عوان، وفي الأسماء النسوية برزت ليديا شبوط وفتيحة وراد وحجلة خلادي. دون نسيان باقي الطاقات الواعدة التي فجرها هذا العمل، مثل محمد أمين موفق وهاجر سيراوي وسهيلة يعقوبي. كما شد إعجابي من عدة زوايا، الموسم الثاني من "البراني" (إخراج يحي مزاحم) الذي واصل تألق فريقه التمثيلي الأصلي، مع الاستعانة بأسماء جديدة، لكن اللافت في هذا العمل، أنه لا يعتبر موسما ثانيا لسابقه، بقدر ما هو مواصلة له بنفس الرؤية والتصور، حيث أن الحدث الإيهامي (الإيهام بالقتل أو الموت لبعض الشخصيات الرئيسة) إذا تكرر أكثر من مرة، وتم تكريسه كلازمة حدثية، لا يعتبر مفصلا يؤسس لموسم ثان، لأنه حافظ على الرؤية والتصور نفسهما. كما أنوه بالنوعية في الطرح والأداء في مسلسلي "مولات الدار" و"دار السد"، لولا أن هذا الأخير اختار العمل على رواية سبق تمثيلها ومشاهدتها وتكريسها عالميا، ما جعل إعادة تكرارها في طبعة جزائرية، ضربا من استنساخ المستنسخ وتكرار المكرر، وتمثيل الممثل وتقديم وجبة باردة مما يسمى بال (déjà vu)، بدل منحه اقتباسات جديدة لم يسبق تمثيلها، مع التنويه بالبروز النوعي للمغنية رجاء مزيان، التي كانت بحق مفاجأة سارة بأدائها المقتدر والكاريزما الهادئة، والكراكتر المميز في أول ظهور تمثيلي لها في الدراما الجزائرية. ❊ بعد متابعتك النقدية لسنوات للإنتاج التلفزيوني الجزائري، ما الذي تحتاجه الدراما الجزائرية اليوم للخروج من دائرة الانتقادات المتكررة كل موسم رمضاني، والتأسيس لصناعة درامية أكثر استقرارا وجودة؟ ❊❊ لا اعتقد بأن أي عمل فني يسعى إلى تفادي النقد أو الانتقاد، بل على العكس من ذلك، هو يطرح للجمهور، ليستفيد من الملاحظات النقدية، من الداخل والخارج، ويحسن من نقاط قوته ويتفادى الوقوع في نفس السقطات السابقة.. ولا أتكلم هنا عن الدخلاء الذين يملؤون حصص "التالك شو"، والذين يعتقدون بأن ما يتناوشون به في ثقافتهم باسم (الكلاش)، هو نقد في اعتقادهم، وأن النقد هو تحطيم ونيل منهم في اعتقادهم دائما، وللأسف، نرى بأن الإعلاميين الذين يرافقونهم، يكرسون هذه السفاهات الدخيلة على المجال الفني، ويخلطون جهلا بين المفاهيم التقنية للعمل الفني والنزعات الغوغائية، التي تتسم بها الصراعات الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي. وذلك بسبب الهجرة الجماعية للمؤثرين على تلك المنصات إلى المجال الفني، فاعتقدوا بأنهم أهل الميدان، وجلبوا معهم ترسانة من المصطلحات النابية عن المجال والدخيلة عليه. لكن أعتقد في الجهة المقابلة، بأننا إن سمعنا أهل الفن والنقد يكتبون ويتكلمون ويحللون، فيفيدون ويستفيدون في سجالاتهم وجلسات حواراتهم الراقية، التي ترفع من شأن العلم الفني وهي تشرحه، وتناقشه باقتدار العارف المثقف، ويستمع إليهم أهله فيستفيدون من جلسات سجالاتهم، سواء كضيوف متكلمين على البلاطوهات، أو محللين ومناقشين للمنجزات الفنية على صفحاتهم الخاصة القيمة الجامعة لأهل الفن. ومن الطبيعي أن يكون الأصيل في كل الفنون نادرا في زمنه، وعلى عكسه، يكون الدخيل كثير الصخب والضوضاء، فيصنع من خرجاته البهلوانية ضجة ويعتقد وهما بأن ذلك نجاحا وشهرة.