توظيف التراث في الأدب، تراجع المقروئية في الجزائر، دور الكتاب في صناعة الهوية، ومواضيع أخرى تم التطرق إليها في الندوة التي احتضنها، قصر حسين داي، أول أمس، في إطار فعاليات معرض الكتاب، من تنظيم مديرية النشاطات الثقافية لولاية الجزائر. الندوة الموسومة حول "التراث الثقافي والكتاب"، استهلها الكاتب محمد ساري، بالحديث عن واقع الكتاب الورقي ونظيره الرقمي بالجزائر، فقال إن الكتاب الورقي كان الدعامة المعرفية الوحيدة لأبناء ما بعد الاستقلال، في ظل ندرة أجهزة الراديو والتلفزيون في تلك الفترة، مضيفا أن الكتاب كان أيضا وسيلة للترفيه، فكانت له مكانة كبيرة في مجتمعنا، رغم أن أغلب الجزائريين آنذاك كانوا أميين. كما عرفت تلك الفترة دعما معتبرا للكتاب من طرف الدولة، علاوة على وجود مكتبات عديدة، خاصة منها وعمومية، وكذا بيع الكتب بأسعار منخفضة في زمن لم تكن فيه المقروئية منتشرة، بالإضافة إلى منح المتفوقين في الدراسة، جوائز متمثلة في كتب، وهو ما كان يشجعهم على المطالعة. واعتبر ساري أن النخبة، هي من كانت تقرأ لا غير، خاصة وأن الجزائريين من العامة يتحدثون اللهجات والأمازيغية، في حين أن من يقرأ، يجد نفسه مجبرا على الإلمام باللغتين العربية والفرنسية. بالمقابل، توقف ساري عند سياسة دمقرطة التعليم، فلم يعد هناك أمي في الجزائر، إلا أن ذلك لم يرفع من نسبة المقروئية أمام متطلبات الرقمنة، مثل نقل المعلومة عبر وسيط، يتمثل في الهواتف الذكية، عكس ما كان عليه في الماضي، حينما كانت تنتقل المعلومة بشكل مباشر من الإمام أو المداح أو الجدة إلى المتلقي. أيضا لا يمتلك المتلقي الصبر للقراءة في عالم يتغلب فيه الصوت والصورة على النص. ليؤكد ضعف المقروئية في الجزائر، حتى لدى النخبة، كما أن الكتاب الرقمي لم يستطع أن يزاحم مكانة الكتاب الورقي، الذي يعطي للقارئ مجالا في التأمل وإعادة قراءة ما لم يفهمه. وأشار المترجم، إلى وجود آليات صارمة في أوروبا، لدفع الناس إلى القراءة، مثل تعليم صارم وإنشاء جامعات خاصة بمستوى تعليمي عال، وفي هذا قال، إنه يدعو السلطات إلى إنشاء مثل هذه الثانويات والجامعات المتميزة التي تستقطب النجباء، وهكذا سيتم التنافس بين الأولياء لإدماج أطفالهم في هذه المدارس، وبالتالي الاهتمام بهم أكثر. واعتبر المتدخل أن مشكلة التعليم في الجزائر، له علاقة وطيدة بالمجتمع، وأنه لا يمكن للكاتب أن يكتب وينشر في مجتمع لا يقرأ، مضيفا أنه شهد على وجود نسبة معينة من المقروئية، خلال مشاركته في معرض الكتاب بالقاهرة، ونفس الشيء في أوروبا، التي قدمت بعض الحلول، مثل بيع الكتب الرقمية، مع الزامية عدم تحمليها وإرسالها. من جهتها، أكدت الكاتبة سليمة مليزي، أن التراث الثقافي يمثل جوهر هوية المجتمع وذاكرته التاريخية، وأن الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة بين الكتاب والباحثين والمؤسسات الثقافية. وأوضحت أن التراث لا يقتصر على الماضي فقط، بل يشمل العادات والتقاليد والحكايات الشعبية والفنون التي تعكس تاريخ المجتمع وثقافته. واستشهدت بقول المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي يؤكد أن تقدم الأمم يقوم على الأفكار والمعرفة، مشيرة إلى أن الكتاب يعد الوسيلة الأهم لحفظ التراث وتوثيقه، خاصة وأن التراث الشفهي يبقى معرضا للاندثار، إن لم يُدون. كما شددت على أهمية أدب الطفل في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة، وغرس حب القراءة منذ الصغر. وتطرقت أيضا إلى التحديات التي يواجهها الكتاب اليوم، مثل تراجع المطالعة بسبب تأثير التكنولوجيا الحديثة. وفي الختام، دعت مليزي إلى تشجيع القراءة ودعم المبادرات الثقافية، مثل إنشاء مكتبات في الفضاءات العامة والحدائق، حتى يبقى الكتاب وسيلة أساسية لحفظ التراث وتعزيز الهوية الثقافية. أما الباحث عبد الحميد بورايو، فتطرق في مداخلته إلى مسألة توظيف التراث في الأدب، فقال إن المحتل الفرنسي اهتم كثيرا بالتراث الشعبي الجزائري حتى يفهم عقلية الجزائريين، ومن ثم السيطرة عليهم، وقد تمكن من تحويل الزوايا من جماعات مقاتلة من أجل نيل الحرية، إلى جماعات مهادنة لا تشارك في الجهاد. وقدم بواريو بعض أسماء جزائريين، درسوا في المدارس العليا في بداية القرن العشرين، أي فترة الاحتلال، ثم درسوا فيها، مثل سعيد بوليفة وبلقاسم بن سديرة، وآخرون ممن اهتموا بالتراث الشعبي المحلي، وقدموه بطريقة سليمة، عكس الفرنسيين. وتابع بواريو، أن الكُتاب الجزائريين كتبوا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عن تراثنا، مثل كاتب ياسين ومولود معمري ومولود فرعون ومحمد ديب، وحققت كتبهم نجاحا كبيرا، ليستمر على هذا النهج، تحديدا بعد الاستقلال، كتاب جزائريون أيضا، مثل الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة، وغيرهم ممن أكدوا متانة العلاقة بين التراث والكتاب.