لم تعد العناية بالبشرة مجرد عادة بسيطة للحفاظ على النظافة والصحة، بل تحولت في السنوات الأخيرة، إلى ظاهرة واسعة الانتشار، تفرض نفسها بقوة في حياة الشباب خاصة، بل وتحولت لدى البعض، إلى هوس حقيقي، حيث كثر الحديث عن الروتين اليومي، أنواع السيرومات والكريمات، وغيرها من المنتجات التي لا تعد ولا تحصى، إلى جانب تقنيات العناية، والأدوات الجديدة التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للكثيرين، هذا الاهتمام المتزايد، يعكس وعيا صحيا متناميا، من جهة، لكنه في المقابل، يطرح تساؤلات جدية حول حدوده، وهل ما زال في إطار العناية الطبيعية، أم أنه انزلق نحو هوس قد يحمل انعكاسات سلبية على سلامة الفرد وصحته؟ لم يعد الاهتمام بالبشرة مرتبطا فقط بالحفاظ على المظهر الصحي، بل أصبح في كثير من الأحيان، مرتبطا بصورة مثالية، يسعى الأفراد إلى تحقيقها، صورة خالية من العيوب، وبشرة ناعمة بشكل مبالغ فيه، وخالية من علامات التقدم في السن، هذا التحول في النظرة، جعل الكثيرين يدخلون في سباق البحث عن الكمال، مدفوعين بما يشاهدونه يوميا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تبدو النتائج لكثير من تلك المنتجات، مثالية وسريعة، وهو ما يدفع البعض إلى تقليد هذه التجارب، دون وعي كاف بمخاطر بعضها. وفي حديث "المساء" مع طبيبة أمراض الجلد، الدكتورة بنونة، أوضحت أن هذا الهوس المتزايد بالعناية بالبشرة، قد يتحول بالفعل إلى مشكلة صحية ونفسية، حيث أكدت أن الاستخدام المفرط للمنتجات، أو خلط عدة مواد دون استشارة مختص، يمكن أن يؤدي إلى تهيج الجلد، والحساسية، أو حتى تلف في الحاجز الطبيعي للبشرة، إلى جانب تهديده لسلامة الغدة الدرقية، وهي الغدة الصغيرة على مستوى الحلق، جد حساسة، ويمكن أن تؤدي إصابتها إلى إحداث خلل عام في هرمونات الجسم، كما أشارت المختصة، إلى أن البشرة ليست نفسها عند الجميع، وما يناسب شخصا قد يكون ضارا لشخص آخر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد نشطة، مثل الأحماض أو الريتينول، وغيرها من المقشرات الكيماوية القوية، التي لا تناسب جميع البشرات، خصوصا بشرة شخص غير بالغ. كما ربطت الطبيبة هذا السلوك، بما وصفته بالبحث عن الكمال والخوف من الشيخوخة، حيث أصبح الكثير من الشباب يشعرون بقلق مبكر من ظهور التجاعيد، أو أية علامات طبيعية للتقدم في السن، وهو ما يدفعهم إلى اعتماد روتينات مكثفة ومعقدة في سن مبكرة، في حين أن العناية المتوازنة والبسيطة تكون في أغلب الحالات أكثر فعالية وأمانا، وخاصة قد تكون جد بسيطة، لاسيما بالحفاظ على نظافة البشرة، ترطيبها وحمايتها من أشعة الشمس، وهذا الثلاثي يكفي للحفاظ على سلامة البشرة. من جهة أخرى، تضيف المختصة، "لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي يلعبه المؤثرون في توجيه هذا السلوك، حيث يعتمد عدد كبير من الأشخاص اليوم، على تجاربهم في اختيار المنتجات وتحديد روتين العناية، وغالبا ما يتم تقليد هذه التجارب بشكل مباشر، دون معرفة الخلفية العلمية، أو نوع البشرة المستهدفة"، مشيرة هنا، إلى خطورة ذلك، حيث أكدت أن "ما يعرض عبر هذه المنصات، لا يكون دائما موضوعيا أو علميا، بل قد يكون في كثير من الحالات، مرتبطا بشراكات تجارية أو حملات إشهارية، تهدف إلى الترويج لمنتجات معينة بمقابل المال". وشددت الطبيبة، على أنه من الضروري، وفق كل ذلك، التعامل بوعي أكبر مع كل ما يستهلكه الفرد من محتوى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة، فليست كل تجربة ناجحة عند شخص، يمكن أن تكون كذلك عند الجميع، كما أن النتائج التي تظهر في الصور أو الفيديوهات، قد تكون معدلة أو مضخمة، مما يخلق صورة غير واقعية، تزيد من ضغط المقارنة، وتدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات، قد تضر ببشرتهم على المدى الطويل.