احتفى المسرح الوطني الجزائري "محي الدين بشطارزي"، أول أمس السبت، بالذكرى المائة لأول عرض مسرحي جزائري متكامل، لصاحبه علي سلالي، المدعو "علالو"، فخُصصت فترة الصباح لندوة علمية، نشطها عدد من الباحثين والنقاد المسرحيين، وُزعت على جلستين. الجلسة الأولى ترأسها الدكتور سعيد بن زرقة، ووُسمت ب"مسرح علالو بين ريادة التأسيس ومسارات التلقي، من النص والركح إلى التوثيق بالمرجعيات النقدية"، تشاطر المتدخلون في فكرة دعوة الطلبة الباحثين، لأن تكون مذكراتهم وأطروحاتهم عن أعمال هذا الفنان، الذي أسس اللبنة الأولى للمسرح الجزائري، بتقديم عمل متكامل (مسرحية جحا، في 12 أفريل 1926، في باب الواديبالجزائر العاصمة) لا يشبه التجارب الأولى التي كانت في بدايات القرن الماضي 1909 إلى 1912، التي اعتبرت سكاتشات وليس مسرحيات قائمة بذاتها. بالنسبة للدكتور احسن ثليلاني، ومن خلال مداخلته "علالو.. ريادة النص والركح"، فإن نص مسرحية "جحا" هو أول نص مسرحي جزائري، والعمل بمثابة أول مسرحية ناضجة بالمفهوم الأوروبي، وقد شارك علالو في المسرحية، أسماء عديدة، يتقدمهم محي الدين بشطارزي، ولفت ثليلاني إلى أن تلك الفترة، لم يكن هناك ممثلات من النسوة، لذلك كان الممثل دهمون، غالبا ما يؤدي دور المرأة في المسرحيات. وأكد الدكتور، أن المسرحية سجلت شباكا مغلقا في ذلك اليوم، من 12 أفريل 1926، حيث قال إن المسرح استقبل 1500 متفرج، وتكرر الأمر في العرض الثاني، وفي هذه النقطة، أكد المشاركون معه في الجلسة أنه رقم مبالغ فيه، وذهب طيب ولد العروسي للتشكيك في الرقم، وأكد الدكتور أحمد منور أن عدد الجمهور الذي حضر العرض يتراوح بين 300 إلى 400 متفرج، بالنظر إلى حجم القاعة، وهو الأمر الأكثر منطقية، مقارنة بأرقام الدكتور احسن ثليلاني. وذكر ثليلاني أن الراحل علالو توفي في 1992، غاضبا على أوضاع الفنان، وقام قبلها بحرق كل نصوصه المسرحية التي كتبها طيلة حياته، وشبهه الدكتور بنهاية الفيلسوف والأديب أبو حيان التوحيدي، الذي أحرق كل كتبه يائسا. وقدمت الدكتورة رقية موسود مداخلتها عن "توظيف التراث الشعبي المحكي في مسرح علالو، الانتقال من الشفهي إلى الركح"، وأكدت أن علالو انطلق في أعماله، من منطق الحكاية المتداولة شفهيا في المجتمع الجزائري، إلى منطق الدراما، بصياغتها على نحو نص مسرحي درامي يؤدى على الخشبة. وأفادت أن مسرح علالو، هو مسرح مقاوم للفكر الاستعماري، وقد استعان بالتراث الشعبي وتوظيفه في أغلب نصوصه، وخلصت بأنه بهذا الشكل، منح علالو الشرعية التاريخية للمسرح الجزائري. أما الدكتور حبيب بوخليفة، فتناول موضوع "مسرح علالو بين المرجعية الشعبية والنسق الجمالي الغربي، قراءة في آليات التلقي الأول"، وأوضح أن علالو لم يكن يهتم بالتشخيص أكثر مما اهتم بالخطاب المسرحي، بمضمون ثقافي وديني، وأنه استعمل الدارجة، لم يكن عبثيا، حيث كانت الوسيلة الأقرب للشعب ليفهم فحوى المسرحية، ثم أدرك بعد ذلك، أهمية الممثل على الخشبة في المسرح الدرامي الكوميدي. وأوضح بوخليفة، أن غياب نصوص علالو حال دون غزارة البحوث الأكاديمية، وأفقدهم القدرة على الدراسة والتمحيص في فلسفته، لذلك جدد دعوته للطلبة المتخصصين، التوجه نحو هذا الرجل المسرحي للبحث في مساره الفني بشكل أكبر. وشاطر الطيب ولد العروسي رأي بوخليفة، وشد على أيدي الطلبة الجزائريين للبحث في الجامعات والمكتبات الدولية، لاسيما الموجودة في فرنسا، كندا وروسيا، التي تضم أبحاثا وكتبا في المسرح الجزائري، من أجل تعزيز المكتبة الجزائرية بمؤلفات بحثية في هذا المجال. وأشار إلى أن العديد من البحوث والأطروحات بحاجة إلى ترجمة وإعادة بحث. وقال المتحدث، إن تجربته البحثية أثمرت تحصله على وثيقة من 53 صفحة على شكل تقرير أمني، مصنف تحت اسم "سري" بالأرشيف الفرنسي، ويسرد التقرير المعنون "المسرح الجزائري الناطق بالعربية"، أسباب انتشار هذا النوع من المسرح في تلك الفترة، ويذكر الأسماء والأماكن ومضامين العروض. في هذا الخصوص، أكد ولد العروسي أنه يشتغل عليه وسيترجم الكتاب إلى اللغة العربية، عسى أن يقدم معلومات جديدة عن المسرح الجزائري. أما الدكتور أحمد منور، الذي قام بترجمة مذكرات علالو، فقد جاء في مداخلته "تحديات اللغة وتوثيق الذاكرة المسرحية"، أنه لا يمكن الحكم بشكل قطعي، أن ميلاد المسرح الجزائري كان مع مسرحية "جحا" لعلالو في 1926، بل هي نتيجة لتجارب سابقة، بدأ مع بداية العقد الأول من القرن الماضي، مع تجارب طه علي شريف في 1911. وأشار الدكتور، إلى أن مجموعة من العوامل ساهمت في نجاح المسرحية، ويتعلق الأمر بأن العرض صادف يوم عيد الفطر، وأن نوعها كوميدي، والموضوع أثار فضول الجزائريين، الذين يعرفون شخصية جحا، إلا ما سمعوا، ومشاهدته واقعيا على الخشبة سيكون ضربا من الدهشة، لأنهم سيكتشفونه في شخصية مرئية. في الجلسة الثانية من الندوة، التي خصصت ل"تمثلات مسرح علالو..قراءات نقدية في الجماليات والرهانات الاجتماعية والسياسية"، تناولت الدكتورة جميلة زقاي موضوع "صورة المرأة وتمثلاتها في المتن المسرحي لعلالو، قراءة سوسيولوجية"، التي أكدت أن المرأة غابت عن الخشبة، لكنها حاضرة بقوة في المخيال والإنتاج الفكري، مشيرة إلى وجود أسباب اجتماعية ساهمت في تغييبها، وحضورها على الخشبة متمثل في حضور الرجال. وتناولت المتحدثة أمثلة عن مواضيع مسرحيات علالو، على غرار "جحا" و"زواج بوعقلين" العملين اللذين تناولا موضوع الزواج، لاسيما موضوع فارق السن بين الزوجين، وكان ينتقد هذه المظاهر في قالب هزلي وساخر. وفي آخر مداخلة، كانت للدكتور إدريس قرقوة، في موضوع "تجربة علالو المسرحية..قراءة في المرجعيات والأفاق النقدية"، أجابت عن أسئلة كثيرة، تخص شخصية علالو التي اكتسبها في حياته، إذ تيتم صغيرا، بعد أن وافت أباه المنية، ونشأ في باب الوادي الحي الشعبي، سرعان ما اشتغل بائعا للمجلات والكتب، ثم صيدليا، هذه الأعمال التي قام بها، مكنته من خبرة جيدة في مقابلة عموم الناس دون حرج. وكشف قرقوة أن له 8 مسرحيات، كلها كانت ردا مقاوما للسياسة الاستعمارية، وكانت أعماله بحق أوكسيجينا لحياة الجزائريين اليومية. وخلال اليوم الاحتفالي، عُرض فيلم وثائقي حول مسار المسرحي الراحل "علالو"، بعنوان "الأثر الباقي"، من إخراج علي عيساوي، إلى جانب تكريم عائلته، ممثلة في ابنته وأحفاده، فضلا عن تكريم الناقد الأدبي أحمد منور، الذي قام بإصدار كتاب "شروق المسرح الجزائري..مذكرات علالو". بالمناسبة، اعتبر المدير العام للمسرح الوطني الجزائري، محمد يحياوي، أنه من خلال هذا الاحتفاء "نستثمر في الماضي كرافعة للمستقبل، باعتباره قوة ناعمة ترسخ صورة الجزائر الثقافية دوليا"، وقال إنه في ليلة الثاني عشر أفريل 1926، لما اعتلى الرائد علي سلالي خشبة المسرح بمسرحية "جحا"، كان هذا "ميلادا لمسار متكامل من المقاومة بالكلمة، وتأسيسا لخطاب مسرحي وطني، استمد قوته من التراث وانفتح على الأفق الإنساني". وأردف يحياوي أن "الممارسة المسرحية في الجزائر، لم تكن يوما مجرد فعل ترفيهي، بل كانت فعلا نضاليا بامتياز، انتزع فيه الفنان الجزائري حقه في التعبير .."، مؤكدا في هذا السياق "المضي بعزم في تجسيد مشروع المتحف الوطني للمسرح الجزائري، ليكون حاضنا للذاكرة وجسرا يربط بين الرواد والشباب".