يستعد مسرح سيدي بلعباس الجهوي، لإطلاق سلسلة من الورشات المسرحية، الموجهة خصيصًا لذوي الهمم العالية، تحت عنوان "فضاءات الإبداع: تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال المسرح". هذه المبادرة، التي تأتي بدعم من وزارة الثقافة والفنون، تهدف إلى فتح آفاق جديدة، لتمكين هذه الفئة من التعبير الفني، وتعزيز حضورهم الفاعل في النسيج الثقافي والاجتماعي. يسعى مشروع "فضاءات الإبداع"، ضمن دعم الدولة لترقية الفنون والآداب، إلى ترسيخ مقاربة ثقافية دامجة، تركز على إمكانيات الإنسان المبدع، بعيدا عن أي تصور يختزل هذه الفئة في مفاهيم الإعاقة. يُعد المختبر المسرحي المنطلق الأساسي لهذه الورشات، حيث يوفر بيئة تعليمية وتفاعلية، تسمح للمشاركين من ذوي الهمم العالية، بتنمية مهاراتهم في مختلف مجالات الفنون. يشتمل البرنامج على ورشات متنوعة، تشمل التعبير الجسدي، الصوتي، التمثيل، الرسم، الموسيقى، إضافة إلى ورشات الحكي، الأشغال اليدوية وصناعة الديكور، التي تتيح لهم التواصل الفني والتفاعل مع محيطهم. ورشة الحكي: إعادة بناء الصوت الداخلي تعتبر ورشة الحكي جزءًا لا يتجزأ من هذه التجربة الشاملة، حيث تمنح المشاركين فرصة لإعادة اكتشاف صوتهم الداخلي وإعادة صياغة تجاربهم الشخصية، من خلال السرد. في هذه الورشة، سيعمل المشاركون على استخدام الحكاية كأداة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، مما يساهم في تحفيز الخيال والتعبير عن الذات، في إطار إبداعي مميز. من خلال الحكي، سيتمكن المشاركون من بناء معاني جديدة لذواتهم، واكتشاف قوة الكلمات في تحويل التجارب الشخصية إلى سرد فني مؤثر. ورشة الحكي ليست فقط أداة للتعبير اللفظي، بل هي عملية علاجية تنطوي على تفريغ نفسي، ومشاركة للقصص الإنسانية التي يمكن أن تكون غنية بالدروس والعبر. وتهدف هذه الورشة إلى تعزيز الثقة بالنفس، وتوفير منصة للمشاركين، لاستكشاف القصص التي تحمل في طياتها قوة العلاج الجماعي والتواصل الإنساني. ورشة الموسيقى والإيقاع: استكشاف الذات عبر الصوت والنغمة تُعتبر ورشة الموسيقى والإيقاع من الركائز الأساسية في "فضاءات الإبداع"، حيث توفر للمشاركين فرصة استكشاف ذواتهم عبر الصوت والنغمة. هذه الورشة تهدف إلى تنمية الحس السمعي والتناسق الجماعي لدى المشاركين، مع تشجيعهم على استخدام الإيقاع كمورد أساسي للتعبير. سيعمل المشاركون في هذه الورشة، على تطوير مهاراتهم في الإيقاع والتلحين، بما يتيح لهم استخدام الموسيقى كوسيلة للتواصل والتفاعل مع الآخرين في إطار إبداعي. لا تقتصر هذه الورشة على تعلم تقنيات موسيقية فقط، بل هي أيضًا وسيلة لتعزيز التفاعل الاجتماعي، حيث يُعتبر الإيقاع لغة عالمية قادرة على تجاوز الحواجز والتواصل بشكل عاطفي وبدون كلمات. الموسيقى والإيقاع في هذا السياق ليسا مجرد مكملين للعرض المسرحي، بل هما جزء لا يتجزأ من عملية البناء الفني، التي تُنمي الخيال وتحرر الطاقات الإبداعية لدى المشاركين. ورشة الأشغال اليدوية والديكور: تجسيد الأفكار وتحويلها إلى واقع ملموس تُعد ورشة الأشغال اليدوية وصناعة الديكور، من المحاور الرئيسية التي تساهم في تعزيز الإبداع لدى المشاركين، حيث تتيح لهم الفرصة لتحويل أفكارهم إلى قطع فنية ملموسة. في هذه الورشة، سيعمل المشاركون على تعلم تقنيات الديكور المختلفة، واستخدام المواد المتاحة لصناعة أعمال يدوية، تعكس خيالهم وإبداعهم. سواء كان ذلك من خلال تصميم الزخارف، أو العمل على قطع فنية تزين الفضاء المسرحي، فإن هذه الورشة تشجع على تطوير المهارات الحرفية، واستخدام الأدوات بطريقة فنية ومبدعة. ورشات الأشغال اليدوية وصناعة الديكور تساهم في تكامل العملية الإبداعية، حيث يمكن للمشاركين استخدامها كوسيلة لإعادة تشكيل الفضاء المسرحي، كما تتيح لهم فرصة التعبير عن شخصياتهم ورؤاهم الفريدة، من خلال التصاميم التي يقومون بإنشائها. تهدف هذه الورشة إلى تعزيز التعاون الجماعي، كما تساهم في تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالإنجاز الشخصي، عندما يرون أعمالهم تتحول إلى واقع ملموس. ورشة صناعة المجسمات من أبرز الورشات المقررة في هذه الدورة، ورشة "صناعة المجسمات"، التي سيديرها السينوغرافي بلال يعقوب، هذه الورشة تشكل امتدادًا طبيعيًا للمحور الذي يعتمد على الفن السينوغرافي، كأداة لتوثيق الإرث المسرحي، من خلال تصميم مجسمات مستوحاة من أرشيف عروض المسرح الجهوي. تتبنى الورشة مقاربة تشاركية، حيث يتعرف المشاركون على مفاهيم الفضاء المسرحي، قبل أن ينتقلوا إلى التطبيق العملي، عبر تصميم مجسمات تُعيد تشكيل الذكريات المسرحية بشكل حسي ملموس. الهدف من هذه الورشة لا يقتصر على تقديم أدوات تقنية، بل يركز على تمكين المشاركين من تحويل الذاكرة المسرحية إلى تجربة حسية، وفتح الأفق أمامهم لاستكشاف لغة السينوغرافيا كوسيلة تعبير غير لفظية. كما تهدف إلى تعزيز روح العمل الجماعي، وتأكيد دور ذوي الهمم العالية كمبدعين قادرين على تحويل رؤاهم الخاصة إلى أعمال فنية، تلائم لغة المسرح المعاصرة. فن السينوغرافيا...جسر بين الماضي والمستقبل هذه الورشة لا تشكل مجرد تمرين تقني في صناعة المجسمات، بل تُعد أيضًا وسيلة لتحفيز المشاركين على إعادة قراءة إرث المسرح الجهوي في سيدي بلعباس، وإعادة صياغته بطريقة معاصرة، تعكس تنوع الفنون وتعبيراتها المبدعة. ويعتبر الفن السينوغرافي في هذا السياق، جسرًا مزدوجًا يربط بين تمكين الأفراد من ذوي الهمم العالية، وإحياء الذاكرة المسرحية بطريقة حسية مبتكرة. تكمن أهمية هذه الورشات في كونها لا تقتصر على البعد التقني فقط، بل تسعى إلى تعزيز الهوية الثقافية والفنية للمشاركين من ذوي الهمم العالية، مع إعطائهم منصة لإظهار مواهبهم وإمكاناتهم الخلاقة. من خلال هذه التجربة، سيتمكن المشاركون من بناء الثقة بأنفسهم وتطوير مهاراتهم في التواصل والتفاعل مع محيطهم، مما يساهم في تحقيق اندماج حقيقي داخل المجتمع الثقافي والفني.