خرج المشاركون في الملتقى الوطني الموسوم بعنوان "الهيرمينوطيقا وجماليات التأويل الأدبي" المنظَّم من طرف معهد الآداب واللغات بقاعة المؤتمرات "مراد نعوم" بالمركز الجامعي مغنية وبمشاركة واسعة من الأساتذة والباحثين من حوالي 20 مؤسسة جامعية من مختلف ولايات الوطن، بجملة من التوصيات الهامة، مؤكّدين أهمية مواصلة البحث العلمي في مجالات النقد والتأويل، وتعزيز آليات الحوار الأكاديمي البنّاء بين الباحثين، بما يسهم في تطوير المعرفة، وترقية الممارسات البحثية. أشار الباحثون إلى أنّ الرهان الحقيقي يظلّ في تحويل هذه التوصيات إلى مشاريع بحثية حيّة تستأنف السؤال ولا تغلقه، وتُبقي المعنى في حالة انفتاح دائم. ويأتي في مقدّمتها تعزيز البحث في الهيرمينوطيقا؛ بوصفها أفقا عابرا للتخصّصات، والانفتاح على امتداداتها في الفلسفة، والنقد الأدبي، واللسانيات، والدراسات الثقافية، بما يسهم في بناء مقاربات تكاملية تتجاوز القراءات الاختزالية. كما شدّدوا على أهمية الاهتمام بجماليات التأويل الأدبي، من خلال تطوير أدوات تحليلية تستوعب البعد الجمالي للنص، وتوازن بين الفهم والتذوّق، وتعيد الاعتبار لدور القارئ بوصفه شريكا فاعلا في إنتاج المعنى. إلى جانب ذلك، دعا المشاركون إلى تشجيع الدراسات التطبيقية التي تستثمر المناهج التأويلية في قراءة النصوص العربية القديمة والحديثة، بما يكشف عن طاقاتها الدلالية الكامنة، ويعيد مساءلة التراث في ضوء أسئلة الحاضر. وأكّدوا، أيضا، على تثمين الحوار بين مدارس التأويل، خاصة بين الهيرمينوطيقا الفلسفية والتفكيكية والتأويل التداولي، بما يفتح أفقا نقديا رحبا، ويجنّب الوقوع في أحادية المنهج، أو انغلاق الرؤية. وفضلا عن ذلك، نبّهوا إلى رهانات التأويل في السياقات المعاصرة في ظلّ التحوّلات الرقمية، وتعدّد وسائط الخطاب، وما تفرضه من إعادة نظر في مفاهيم النص، والمعنى والقراءة. ودعوا إلى إدماج الهيرمينوطيقا في البرامج التعليمية، لا سيما في التخصّصات الأدبية والإنسانية، بما يسهم في تنمية مهارات الفهم العميق والتفكير النقدي لدى الطلبة، إضافة إلى إنشاء شبكات بحثية ومخبرية تُعنى بالدراسات التأويلية، وتعمل على تنسيق الجهود العلمية، وتنظيم ملتقيات دورية، وتبادل الخبرات بين الباحثين. كما أوصوا بنشر أعمال الملتقى في كتاب جماعي محكم أو عدد خاص في مجلة علمية؛ ضمانا لتعميم الفائدة، وتثمين المخرجات العلمية، مع تعزيز حضور اللغة العربية في الدراسات التأويلية المعاصرة؛ من خلال إنتاج معرفة نقدية أصيلة، قادرة على محاورة النظريات الغربية، وتجاوزها إبداعيا. وأخيرا، أكّدوا على أخلاقيات التأويل بما يضمن احترام النصوص، وتعدد قراءاتها، والوعي بحدود الفهم بعيدا عن التعسف، أو الإسقاط الإيديولوجي الضيق. ومن جهته، أكد رئيس الملتقى الدكتور محمد بكاي بالمركز الجامعي مغنية، أنّ التظاهرة عرفت نجاحا كبيرا، حيث تميزت المداخلات الأكاديمية بعمقها، وتنوّع مقارباتها بين النقد الأدبي والتأويل. وانفتحت موضوعاتها، حسبه، على أسئلة التأويل في علاقتها بالفلسفة والنقد واللسانيات والتحليل الخطابي؛ ما أضفى على النقاش وتبادل الرؤى بين الباحثين، ثراء علميا حقيقيا. وتخلَّل الملتقى بالتوازي تنظيم ورشات علمية (عن بُعد)، شاركت فيها قامات علمية من مختلف الجامعات، تناولت مواضيع الهيرمينوطيقا الفلسفية ورهانات القراءة. واختُتمت فعالياته بتكريم الأساتذة المشاركين؛ تثمينا لجهودهم العلمية، وإسهاماتهم القيّمة في إنجاح هذا الملتقى، حيث شكّل هذا التكريم لحظة وفاء وعرفان، تعكس مكانة العلم، وأهله.