تحولت الجزائر في ظرف قصير إلى قبلة لقادة دول الساحل الإفريقي، باستقبالها لمسؤولي بلدان المنطقة من أجل بحث السبل الكفيلة باستحداث إطار جديد للتعاون في ظل التعقيدات التي تعرفها المنطقة، وكذا إفرازات النظام العالمي الجديد، ما يجعل هذه الدول التي تعتبر الجزائر مفتاح أزماتها نظير أدوارها التاريخية في فك النزاعات وتعزيز الاندماج الاقتصادي، تسعى لرسم معالم جديدة للتعاون وفق رؤية جديدة تخرج عن سياق الصداقة التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية. بعد زيارة رئيس جمهورية النيجر، رئيس الدولة، الفريق عبد الرحمان تياني، إلى الجزائر منتصف شهر فيفري الماضي، ثم الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي، بداية أفريل الجاري، وما تخللها من زيارات متبادلة لوفود وشخصيات عالية المستوى بين الجزائر ودول الجوار، زار الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو الجزائر مؤخرا، في خطوة تحمل الكثير من الدلالات وتهدف بالأساس إلى إرساء الاندماج الاقليمي ودعم الدور القيادي للجزائر التي لها باع طويل في هذا المجال. وتزامنت زيارة الرئيس التشادي، إلى الجزائر مع سعي تحالف "كونفدرالية الساحل" الذي يضم ثلاث دول وهي مالي، النيجر، بوركينا فاسو، لفك الارتباط مع المنظمات التقليدية، في حين حافظت تشاد على مسافة أمان من هذا الاستقطاب قناعة منها بأن الجزائر تبقى من أفضل فاعلي المنطقة لكسر حالة الجمود الإقليمي. وتتجلى الإرادة القوية للتشاد من أجل مواكبة هذا التوجه وبناء نموذج إفريقي متميّز من الشراكة الاستراتيجية مع الجزائر، خاصة وأن زيارة الرئيس ديبي إتنو، للجزائر تأتي بعد سبعة أشهر فقط من زيارته الأولى إلى بلادنا، لكن هذه المرة لم تقتصر على التعاون الثنائي فحسب، بل حملت أبعادا اقليمية تعني القارة، حيث نستشف ذلك من خلال تصريح الرئيس التشادي الذي أشار إلى أن هذه الزيارة هي "رسالة إفريقيا الرافضة للتهميش" وأن "التدشين النّاجح للخط الجوي بين الجزائر العاصمة ونجامينا، يجب أن يكون نموذجا يحتذى به". ويبرز من خلال تصريحات قادة دول الجوار إرادة قوية لأن تضطلع الجزائر بدور القوة الناعمة لاحتواء النقائص والاختلالات التي تحول دون تحقيق الاندماج الاقليمي، الأمر الذي جعل الجزائر تبادر لتفعيل علاقات التعاون من خلال تقوية التعاون الاقتصادي، عبر إيفاد وفود عالية المستوى إلى دول مثل النيجروبوركينافاسو وموريتانيا من أجل إطلاق مشاريع اقتصادية حيوية، تعود بالنفع على المنطقة ككل في ظل أزمة المحروقات العالمية. وعليه فقد نجحت الجزائر في وضع حد للجفاء الذي ميّز العلاقات بين دول المنطقة عبر لغة المصالح الاقتصادية والمشاريع التنموية، لاسيما في مجال الطاقة، فضلا عن دورها المؤثر في الساحل على ضوء المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، ما يجعل التقارب بين هذه الدول خيارا استراتيجيا لا مفر منه في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة كالإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود في منطقة باتت تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة.