يعتبر حسين زياني واحدا من أشهر الفنانين والرسامين العرب الذين بنوا أنفسهم بأنفسهم وفرضوا أسلوبهم على المجتمع الفني، فلم يقلد أو يحاكي أحدا، إذ تحاكي أعماله الطبيعة التي نشأ فيها، والقرية التي تربى فيها بحقولها، حيواناتها وأناسها، حيث أعاد سردها أكثر من مرة على لوحاته المتميزة، عبر عناده ومثابرته، وبعيدا عن أية تأثيرات ثقافية، طوّر “زياني” شخصيته والأسلوب التشكيلي اللائق به. ولد الفنان حسين زياني عام 1953، وبدأ العمل كفنان محترف منذ سنة 1978 إلى عام 1993، وفي فرنسا من سنة 1994 إلى غاية عام 2009، وهو عضو مؤسس في متحف الجيش المركزي بالجزائر وعضو في الأكاديمية الدولية للفنون التشكيلية. سخّر زياني حياته لتطوير فنه وفرض أسلوبه، مازجا بين الواقعية والواقعية المفرطة التي يمكن أن نلاحظها في أعماله للوهلة الأولى، من جهة، واللمسات التجريدية الواضحة في الخلفية من ناحية أخرى. حصل على جائزة أكاديمية الفنون في باريس، وعلى الميدالية الذهبية في المعرض الدولي للفنون، إلى جانب جائزة “فيتل” بفرنسا، جائزة “عرض اللوردات للفنون”، جائزة “آرل” بفرنسا وأول سباق الجائزة الكبرى بالجزائر، كما تحصل على عدة ميداليات في معرض الشراكة من الفنانين الفرنسيين في باريس، حيث يلقبونه برسام التاريخ ويعدونه تلميذا مخلصا في المدرسة المشرقية المتجددة. ولعل تفانيه في إبراز الدقائق في لوحاته جعله مستحقا لهذا التكريم، فلوحاته، خاصة عن الطوراق، تكاد تنطق عن قدرته المدهشة على التصوير الواقعي والتوظيف الصحيح للظل والضوء، حتى أنه يتلاعب بمفردات الغبار ليضعنا في قلب اللوحة التي تخوض فيها القافلة مجاهل الصحراء، أو تصور معركة حامية الوطيس بين الفرسان الزرق والبواسل الذين يرى أن إبداعهم وصل إلى ذروته. أما مهمته الوطنية، فهي كما يقول عنها: “لقد نصبت نفسي حاميا للتراث والأصالة من خطر النسيان ووباء العولمة، فصارت ريشتي وألواني تعملان على إنعاش ذاكرة المشاهد العربي لماضيه المجيد وحنينه للبطولات، مما يجعله يحس بالفخر لذلك”. ويضيف قائلا: “هذه المهمة أُنجزت عندما أصبحت لوحاتي تعلق على جدران رئاسة الجمهورية وجل المباني الرسمية والمتاحف، وعندما صارت قاعات العرض التي تحتضن أعمالي تعج بالزائرين”. وعن استقراره في فرنسا يقول: “وصف أحد النقاد تجربتي الفنية بأنها روح إبداعية يتملكها التراث والأصالة، وينبعث منها ضوء إفريقي ينفذ على الحضارة الغربية بتاريخها الوسخ”!، لكني أعترف أن ما يهمني أكثر هو بث هذه الرسالة في روح أبناء المغتربين، ونضج تجربتي سيتحقق فقط عندما أتمكن من إنعاش ذلك الإحساس بالمحبة والافتخار بالانتماء العربي عند هؤلاء، وأقصد أبناء الجالية العربية المغتربة المُحاصرة فكريا بخطر العولمة. كانت حياة الفنان حسين زياني مصدرا له يستمد منه إلهاماته المتعددة، رغم أنه ينتمي إلى أسرة متواضعة للغاية وظروف معيشية عادية، لم تكن تسمح له أن يمارس الفن التشكيلي، لكنه منذ أن كان طفلا عشق الألوان، التخطيط ورسم أشكال من غير معنى، فقد بدأ يرسم على الأرض بالطباشير وبقلم الرصاص في دفاتره المدرسية، ولم يكن نفسه يتخيل أن يكون الفن رفيقا له في مشوار حياته. عندما بدأت حواسه تتفتح على مناظر الطبيعة في قريته، بدأت حالات من التأمل للشجر، النهر، الورد، السماء والأفق البعيد، ومن هنا كانت قريته مصدر إلهامه في الفن التشكيلي. يقول في أحد حواراته الصحفية: “هل تتخيل هذا الطفل الصغير الذي يفترش العشب في الأرض، يشرب من النهر وبجواره الحمام الأبيض يحلق، والإوز، البط، العصافير والشجر العالي، هل تتخيل أن هذه المناظر والصور هي التي شكلت وجداني وعالمي الجميل”؟ وقد استطاع فيما بعد أن يسجل بريشته تلك الصور التي ظلت راسخة في عالم الطفولة، فبدأ يقدم لوحاته التي حازت إعجاب العالم، وسافر إلى بلدان عديدة ليعرض فنه على العالم، ويؤكد أنه مايزال ذلك الطفل الصغير الذي يستلقي على العشب الأخضر يحلم ويحلم. نجد في لوحاته فلسفة مستوحاة من البيئة التي عاش فيها تسيطر عليها رقة اللون في اتجاهاته وحواراته، إلى جانب تسرب الضوء في كثافته وحنانه، كما تبدو في الصورة المرأة الجميلة والحصان الأبيض في لفتاته إليها، البيئة العربية، فنجان القهوة، صحن الفاكهة والمصارع الجبار، التي يدين بها القوة الغاشمة بلا عقل أو فكر، والجياد الحزينة التي تبكي زمان النضال ضد الغزاة وتشتاق حوافرها أن تخترق رمال الصحراء مرة أخرى لنشر الحب، السلام والأمان في العالم، فلسفة لا بد أن تقف أمامها متأملا، باحثا عن ذاتك وانتمائك الأخير.